أفاد تقرير نشرته صحيفة يني شفق التركية، اليوم، بأن تركيا ستبدأ قريباً بتدريب عناصر من الجيش السوري، في خطوة تُعدّ تصعيداً لافتاً في التعاون العسكري بين أنقرة ودمشق، وذلك بموجب مذكرة التفاهم للتدريب والاستشارات المشتركة التي وقّعتها الدولتان في 13 أغسطس 2025.
وأوضح التقرير أن التعاون العسكري بين البلدين يسير بخطى سريعة، ويشمل تدريب جنود سوريين من فرق الكوماندوز والمشاة في قواعد عسكرية تركية، حيث سيُنقل الجنود السوريون إلى تركيا لتلقي تدريبات مكثفة من قبل القوات المسلحة التركية (TSK).
وأضاف أن هذه التدريبات لن تقتصر على الأراضي التركية فحسب، بل ستمتد لتشمل جلسات تدريب داخل سوريا، حيث ستُرسل وحدات استشارية تركية لتقديم التدريب الميداني للجيش السوري على أرض الواقع.
وبحسب المصدر، تخطط تركيا لإنشاء كليات حربية ومدارس لضباط الصف في مناطق سيطرة الحكومة السورية، على غرار النموذج الذي تم تطبيقه بنجاح في كل من الصومال وليبيا، بهدف بناء جيش سوري مهني وقادر على حفظ الأمن الداخلي واستعادة السيطرة على الأراضي.
كما سيُخصص عدد من المقاعد لطلاب عسكريين سوريين للالتحاق بالكليات الحربية ومدارس ضباط الصف في تركيا، ضمن برنامج تبادل عسكري طويل الأمد، يهدف إلى بناء جيل جديد من الضباط السوريين على المنهجية التركية.
تمثل هذه الخطوة تطوراً جوهرياً في العلاقات بين تركيا وسوريا، بعد سنوات من التوتر والقطيعة، وتدخلات متبادلة في الشأن الداخلي.
وتأتي المذكرة في سياق انخراط تركيا بشكل متزايد في دعم “الحكومة الانتقالية” في دمشق، التي يقودها أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، وتعكس رغبة أنقرة في توطيد نفوذها الأمني والعسكري في سوريا، وضمان استقرار حدودها الجنوبية.
وتعتبر تركيا أن دعم بناء جيش سوري موحد، خالٍ من النفوذ الإيراني، هو مفتاح لضمان الأمن الإقليمي، ومنع عودة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وضبط حركة الفصائل المسلحة غير الخاضعة للسلطة المركزية.
في المقابل، أثار هذا التعاون مخاوف في بعض الأوساط العربية والإقليمية، خصوصاً من تمدد النفوذ التركي في سوريا تحت غطاء “التدريب والاستشارة”، واحتمال تحويل الجيش السوري مستقبلاً إلى كيان تابع للاستراتيجية التركية.
كما عبّرت قوى محلية في شمال شرق سوريا وجنوب البلاد، مثل قوات سوريا الديمقراطية والجيش الوطني الموحّد في السويداء، عن قلقها من أن تُستخدم هذه الخطوة لفرض واقع عسكري مركزي جديد، يُهمش المكونات غير العربية أو التي ترفض الهيمنة المركزية.
من خلال هذا التحرك، تسعى تركيا إلى:
- بناء جيش سوري موالٍ لها،
- تقليل الاعتماد على الميليشيات،
- تقويض النفوذ الإيراني،
- ضمان عودة آمنة للاجئين السوريين،
- وفرض نفسها كفاعل رئيسي في إعادة بناء الدولة السورية.
إذا كانت تركيا قد دخلت سوريا في بدايات الأزمة بصفة “معارضة”، فإنها اليوم تعود بصفة “حليف وشريك استراتيجي”، لا بل “مُدرّب ومستشار عسكري”.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه:
هل يُبنى جيش وطني حقيقي تحت مظلة دولة مستقلة؟
أم أن سوريا تُصبح ساحة جديدة لتمدد النفوذ التركي، كما حدث في ليبيا والصومال؟
الإجابة، ستكون في الشهور القادمة، حين يبدأ الجنود السوريون بالتدريب على الأسلحة التركية، وتحت الراية التركية… في بلد ما زال يبحث عن هويته.

