في لحظةٍ تتقاطع فيها الريح بالذاكرة، ويصمت الحجر تحت وطأة السنين، يعود صوتٌ من أعماق الجغرافيا يُذكّر بأن شعباً لم يُكتب له أن يُنسى، وإن حاولوا. في منتدى السليمانية، في 28 آب 2025، أطلق بعضهم مداخلةً لم تكن مجرد رأي سياسي، بل كانت إعلانَ رفضٍ صريحٍ للنموذج الفدرالي الذي ناضل من أجله شعب كوردستان العراق، واعتبره “كلاسيكياً”، مُقدّماً بدلاً منه ما يُعرف بـ”مشروع الأمة الديمقراطية” كنموذج متطور يُفترض أنه يصلح للشرق الأوسط. لكن هل يمكن أن تُقدَّم نظريةٌ فلسفية، مهما كانت عميقة، كبديل عن حقٍّ قومي مشروعي، تمّ تحقيقه عبر دماء ونضالات ممتدة على مدى عقود؟ وهل يمكن أن تُستبدل أرضٌ محررة، ومؤسساتٌ قائمة، وحقوقٌ معترف بها دولياً، بمشروعٍ تجريبيٍّ لم يُختبر إلا في ظروف استثنائية، وتُحاصره المدافع من كل حدب وصوب؟
إن من يرفض الاعتراف بالحقوق الفدرالية التي نالتها كوردستان العراق، ليس فقط يُقلّل من قيمة تضحيات جيلٍ كامل، بل يُعيد إنتاج نفس العقلية التي حاولت طمس الهوية الكوردية لعقود. فهذا النموذج الذي يُسمّى “كلاسيكياً” لم يكن هبةً من السماء، بل كان ثمرةَ دماءٍ سالت في حلبجة، وخطواتٍ متثاقلة على طريق المطالبة بالحق، وصبرٍ لا يُقاس إلا بمقاييس الشعوب التي عاشت في ظلّ الاستبداد والتمييز. أما “الأمة الديمقراطية”، بحسب ما طرحه عبد الله أوجلان مستنداً إلى أفكار موراي بوكشين حول البلديات الديمقراطية، فهي نظرية تُركّز على التعددية الثقافية، والديمقراطية القاعدية، وتحرير المرأة كأساسٍ لتحرر المجتمع. وهي بلا شك أفكارٌ نبيلة، وتحمّل بُعداً إنسانياً عميقاً، لكنها تبقى في سقفها الأعلى مشروعاً فكرياً، لا يُمكن أن يُستبدل بحقوقٍ واقعية، مُعترفاً بها، مُحقَّقة على الأرض.
في روجافا، حاول البعض تطبيق هذا النموذج. نعم، كانت هناك محاولة جادة لبناء مجتمعٍ قائم على المشاركة الشعبية، وتمكين المرأة، واحترام التنوع العرقي والديني. لكن هل يمكن أن نُغفل أن هذه التجربة وُلدت في ظلّ حربٍ وجودية، وحصارٍ اقتصادي، وتهديداتٍ يومية من دولةٍ إقليمية ترى في أي تنظيم ذاتي كوردي تهديداً مباشراً لأمنها؟ هل يمكن أن نُقيّم مشروعَ دولةٍ في ظلّ هذه الظروف الاستثنائية، وكأنها تجربة في مختبر ديمقراطي آمن؟ ثم، من يضمن أن شعباً عاش لقرون تحت هيمنة دولة مركزية، ويعاني من فقرٍ في الثقافة السياسية، ويقبع في صراعاتٍ قبلية وطائفية، يمكنه فجأة أن ينتقل من “القبيلة” إلى “البلدية الديمقراطية” دون أن يمرّ بمسار طويل من التثقيف والتنوير؟ كيف نُقنع مجتمعاً لا يعرف من الديمقراطية سوى اسمها، بأن يُدير شؤونه عبر مجالس محلية، بينما لا يزال يرفض حتى الاعتراف بأن الكورد سكنوا هذه الأرض قبل غيرهم بألف عام؟
نحن، شعب غرب كوردستان، نقول بصوتٍ واحد: هذه الطروحات لا تمثلنا. لا تمثل تطلعاتنا، ولا تُجسّد معاناتنا، ولا تُعبّر عن تاريخنا. نحن الذين قدّمنا آلاف الشهداء في سبيل الحرية، ووقفنا في وجه داعش بصدورٍ عارية، وحمينا التنوع في سوريا، لا نقبل أن يُستبدل حقنا المشروع، في دولة فيدرالية تضمن حقوقنا القومية، بشعارات فضفاضة أو نظريات غير مُجرّبة. نحن نؤمن بالوحدة السورية، لكن وحدةً تقوم على العدالة، والشراكة الحقيقية، والاعتراف بالآخر. وها هو إقليم كوردستان العراق، رغم كل التحديات، يُصبح نموذجاً ناجحاً يُحتذى، سنداً لكل كوردي يتمنّى أن يعيش بكرامة على أرضه.
لقد صار كورد روجافا أقرب من أي وقتٍ مضى إلى تحقيق حلمهم، كأن التاريخ نفسه فتح نافذة ضوءٍ بعد ليلٍ دامس. لكننا نحذر: يا من تتغنّون بـ”نظرية الأمة الديمقراطية”، احذروا أن تُغرقوا دماءكم في خيانةٍ صامتة. احذروا أن تُعيدوا سيناريو حسن خيري، ذلك النائب الكوردي في عهد أتاتورك، الذي وُعد بالسلام فجاءه الرصاص، ووُعد بالانتماء فنُكر وجوده. انتهت حياته على حبل المشنقة، لكنه قبل أن يلفظ أنفاسه، قال بلهجةٍ لا تُحتمل: “احفروا قبري على طريق يمر به الكورد، ليبصقوا عليّ كلما مروا”، كأنه كان يُدرك أن الخيانة للهوية أقسى من الموت نفسه.
فهل نحن اليوم أمام مشروعٍ يُعيد إنتاج هذه الخيانة بلغة الفلسفة؟ أم أننا أمام فرصةٍ حقيقية لبناء وطنٍ لا يُبنى على أنقاض الهوية، ولا يُقدّم النظرية على حساب الدم؟ نحن نتمسك بالفيدرالية، ليس لأنها موضة، بل لأنها صيغة عادلة، واقعية، وقابلة للتطبيق، تضمن لنا كألكورد أن نكون شركاء في مستقبل سوريا، لا مجرد فصلٍ في كتابٍ فلسفي. نحن لا نرفض التفكير، ولا نخشى الابتكار، لكننا نرفض أن يُستبدل حقنا بحلمٍ جميل، لا يُطعم جائعاً، ولا يُعيد أرضاً مغتصبة، ولا يُعيد هويةً مغيبة.
لقد عشنا طويلاً في الظل، والآن، حين بدأ الضوء يتسلل، لن نسمح لأحدٍ بأن يطفئه باسم “الحداثة” أو “التطور الفكري”. لأننا نعرف، من خلال دماء آبائنا، أن الوطن لا يُبنى على النظريات وحدها، بل على الحق، والدم، والذاكرة.
بوتان زيباري
السويد
30.08.2025

