المغيبون الفيليون ذاكرة العراق المؤلمة- عباس عبد شاهين

يقف العالم في 30 اب من كل عام لإحياء اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري وهو يوم صنفته الأمم المتحدة للتذكير بمأساة مستمرة لم تقتصر على بلد أو شعب دون آخر، وفي احصائية منذ عام 1980 سجلت حالات اختفاء قسري في 115 دولة لتصبح هذه الجريمة وصمة عار عالمية تهدد أمن الأفراد وكرامتهم، غير أن الكورد الفيليين في العراق يشكلون مثالاً صارخاً على ضحايا هذا الملف إذ تحولت حياتهم منذ أواخر الستينيات إلى مأساة مفتوحة على المجهول، قبل أن تأتي ذروة المأساة في مطلع الثمانينيات حين تم تهجير اكثر من نصف مليون كوردي فيلي قسراً إلى الحدود الإيرانية في ظروف إنسانية قاسية وغالباً عبر طرق مزروعة بالألغام بعد أن جُردوا من جميع وثائقهم الثبوتية وسلبت ممتلكاتهم وزُج الاف الشباب في السجون ليختفوا بعدها دون أثر والتي تشير الارقام إلى أن أكثر من 22 ألف شاب فيلي تم تغييبهم قسراً في واحدة من أبشع الجرائم التي صنفتها الأمم المتحدة كإبادة جماعية.

وفي تقرير حديث سجلتها الأمم المتحدة ان هناك 1278 حالة اختفاء قسري جديدة في 38 دولة بين أيار 2024 وأيار 2025 وهو رقم يعكس استمرار هذه الجرائم رغم كل المواثيق الدولية، لكن المؤلم أن الفيليين ما زالوا ضحايا الماضي والحاضر معاً إذ لم يعثر حتى اليوم على رفات المغيبين منهم رغم مرور أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق، ورغم تعاقب الحكومات العراقية بعد عام 2003 إلا أن ملف المغيبين الفيليين ظل يراوح مكانه فالحكومة لم تظهر الجدية الكافية في البحث عن رفاتهم ولم تمارس ضغطاً على ازلام النظام المحتجزين في السجون للكشف عن مواقع المقابر الجماعية، حتى مؤسسة الشهداء المعنية رسمياً بهذا الملف تعاني من نقص كبير في الإمكانيات التقنية وعلى رأسها أجهزة فحص الحمض النووي (DNA) التي تعد وسيلة حاسمة للتعرف على هوية الضحايا وبرغم وجود تقنيات حديثة قادرة على معالجة آلاف العينات بسرعة فإن العراق ما زال متأخراً في هذا المجال ما جعل الكثير من العائلات أسيرة الانتظار بلا أمل واضح.

الأكثر  وجعاً أن لا وجود لمبادرات حكومية جادة لاستذكار هذه الكارثة فالمناسبة مرت بصمت فيما ينشغل الساسة بالانتخابات، والمنظمات المدنية والمؤسسات الاعلامية وحدها تحاول الإبقاء على ذكرى الضحايا حية لكن جهودها محدودة ومشكوره ولا ترقى إلى مستوى الجريمة المرتكبة بحق الفيليين، المعلومات المتوفرة تشير إلى أن قسم من المغيبين تم استخدامهم في تجارب كيمياوية وجرثومية بمختبرات النظام المجرم، فيما زُج آخرون كدروع بشرية في الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) وهكذا تحولت أجسادهم إلى وقود لحروب عبثية وتجارب لا إنسانية في جريمة مضاعفة تستحق أن تسجل في ذاكرة العالم كدرس أسود للجرائم التي ارتكبها النظام الدكتاتوري.

ان الاختفاء القسري لشباب الكورد الفيليين ليس موتاً عادياً بل موت بلا ختام وجرح بلا شفاء فقد ترك خلفه عائلات ممزقة بين أمل زائف وانتظار مرير، فكيف يمكن لطفل قد كبر  واصبح شاب وهو يسمع أن والده “قد يعود” وبأي كلمات يمكن إقناع زوجة أهدرت عمرها على أبواب الانتظار أن الأمل انتهى؟ لقد مضت 22 سنة على سقوط النظام لكن ملف المغيبين الفيليين ما زال يراوح مكانه وعدالة الضحايا مؤجلة بلا أفق واضح فبعض الآباء والأمهات رحلوا عن الدنيا وهم يتمنون دفن فلذات أكبادهم بكرامة لكن أمنيتهم لم تتحقق وآخرون ما زالوا ينتظرون العثور على رفات أحبائهم ليقيموا لهم مراسيم دفن تليق بهم كما جرى مع شهداء اخرين من المقابر الجماعية.

لقد عاش الكورد الفيليون مأساة مضاعفة من تهجير قسري وتغييب ونهب ممتلكات وما لم تتعامل الدولة بجدية مع هذا الملف فإن جرح الاختفاء القسري سيظل مفتوحاً في ذاكرة العراق وشاهداً على تقصير الحكومات وعلى صمود شعب تم ظلمه مرتين، مرة على يد نظام بعثي مجرم واخرى في زمن الديمقراطية.