لم تكن التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط مجرد زوبعة عابرة أو هبّات متقلبة، بل هي إعادة تشكيل جوهرية لخارطة القوى والتأثير، حيث تتبدّل موازين القوى، وتتزعزع الأركان التي ارتكزت عليها أنظمة سياسية كانت يومًا ما ركيزةً للوجود الإقليمي. وفي قلب هذه المتغيرات، تظهر سلسلة من القرارات الاستراتيجية التي تشير إلى حالة ضعف وانحسار في مكمن القوة الإيراني، ذلك المكمن الذي كان يمتد بذراعيه عبر الحدود ليغذي محور “المقاومة” في لبنان وسوريا وفلسطين واليمن، مُشكلاً حاضنة سياسية وعسكرية لحركات مسلحة تُعيد صياغة الواقع تحت عنوان الممانعة.
ولعل أبرز ما يتراءى في هذا المشهد هو حالة الضعف المركزي التي تضرب في جذور النظام الإيراني، لتخلق فراغًا استراتيجيًا في خطوط نفوذه، تلك الخطوط التي كانت تمتد عبر الجغرافيا الشيعية والمقاومة المسلحة. وهنا، في شرق كوردستان، حيث الكورد يعيشون بين ضغوط الداخل وتعقيدات الخارج، تتشكّل لحظة جديدة، لحظة قد تكون فرصة تاريخية للنهوض من جديد، لكن بشروط جديدة ومواقف موحّدة.
إن الفرصة لا تُستغل إلا بالعقل الجمعي، وباليقظة الوطنية، وبالرؤية الموحّدة. فما ينقص الكورد ليس الأرض ولا التاريخ، بل الوحدة التي تجعل من التباين السياسي والإيديولوجي مصدر قوة وليس عامل تفكك. فالقضية الكوردية، طوال عقود، ظلت أسيرة الانقسامات والمصالح الضيقة، تتحول من بيدق في أيدي الآخرين إلى ورقة مساومة بين القوى الكبرى، بينما الكوردي يظل يبحث عن نفسه في مرآة غيره.
وفي زمن يتبدّل فيه النجم ويأفل، وتتغير فيه الموازين بسرعة لم تعرفها البشرية من قبل، لا يمكن لأي قضية أن تبقى على حالها دون أن تستيقظ من غفلتها. فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين، ولا يترك مكانًا للأحلام المشتتة. إن الكورد اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن يكونوا صنّاع مستقبلهم، وإما أن يبقوا رهائن الماضي والتجاذبات الخارجية.
ولا شك أن الفلسفة السياسية، بأسئلتها العميقة حول العدالة والحرية والسلطة، تدفعنا إلى التفكير بجدّية في بناء استراتيجية جديدة، استراتيجية تقوم على أساس المصلحة القومية العليا، والتخطيط البعيد المدى، بعيدًا عن الحسابات الآنية والانفعالات المؤقتة. فالفكر الفلسفي لا يُنتج فقط للمعارف النظرية، بل هو بوصلة العمل السياسي الصائب، وهو دليل السائرين نحو الحق والعدل.
ومن هنا، فإن الحديث عن مستقبل الكورد لا يمكن أن ينفصل عن وعي ثقافي وسياسي عميق، يجمع بين التجربة التاريخية والواقع الجديد، وبين الهوية والمواطنة، وبين الرؤية الفلسفية والتطبيق العملي. فليس المطلوب اليوم إعادة توزيع الأدوار ضمن لعبة قديمة، بل تأسيس لعبة جديدة تمامًا، تضع الكورد في موقع القرار وليس التنفيذ، في موقع القيادة وليس التبعية.
وإن من يتأمل في هذا الواقع المعقد، يدرك أن التاريخ يُعيد نفسه بصيغ مختلفة، وأن اللحظات الذهبية لا تأتي إلا لمن يستعد لها ويتأهب لها. فلا يُمكن لشعب أن يتحرر إذا لم يتوحّد، ولا يمكن لوحدة أن تصمد إذا لم تكن قائمة على فكرٍ واضح ورؤية مشتركة. ولعلّ ما يجري في الشرق الأوسط من تحولات دراماتيكية، وما يصاحبها من ضعف في بعض المحاور، هو الدافع الحقيقي للكورد ليقفوا وقفة محاسبة مع الذات، وليقرروا: هل يريدون أن يكونوا لاعبين حقيقيين في المسرح التاريخي، أم أنهم سيبقون شاهد زور على تقسيم الأرض وتوزيع النفوذ؟
هذا ما تُذكّرنا به الفلسفة، وتؤكد عليه السياسة، وتُجسّده التجارب الإنسانية عبر الزمان والأمكنة: أن الأمم لا تُبنى بالكلمات فقط، ولا بالشعارات وحدها، بل بالعمل المنظم، والعقل الجمعي، والإرادة الحرة. والسؤال الآن مفتوح على مصراعيه: هل سيُدرك الكورد أن الوقت قد حان للخروج من إطار “القضية” إلى فضاء “الدولة”؟
بوتان زيباري
السويد
01.07.2025

