التطورات تتسارع في “عملية الحل الكردي” بتركيا.. إبراهيم قالين يتجه إلى بغداد لتنسيق خطوات “إلقاء السلاح”، وحزب العمال الكردستاني قد يعلن عن تسليم الأسلحة هذا الأسبوع

أنقرة / أربيل / بغداد، بتاريخ 7 تموز 2025 — دخلت “عملية تركيا بدون إرهاب” مرحلة جديدة وحاسمة مع بداية شهر تموز/يوليو 2025، حيث بدأت الجهود التركية – الكردية – العراقية تتضافر لإنهاء الصراع المسلح الذي استمر أكثر من أربعة عقود بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK).

قالين يتجه إلى بغداد.. بعد زيارة ناجحة لأربيل

من المنتظر أن يتوجه رئيس جهاز الاستخبارات التركية الخارجية، إبراهيم قالين، غدًا الإثنين إلى بغداد، ضمن جولة إقليمية تستهدف تعزيز التنسيق الأمني والسياسي حول عملية نزع السلاح التي أعلن عنها حزب العمال الكردستاني في 12 أيار/مايو الماضي.

وقبل ذلك، قام قالين بزيارة مهمة إلى أربيل في الأول من تموز الجاري، حيث التقى مسؤولين كباراً في الإقليم، بما فيهم الرئيس مسعود بارزاني، وبحث سبل دعم السلام الداخلي في تركيا، ومنع تحول الجبال الكردية إلى مواقع خلفية للنشاطات المسلحة.

وأثناء زيارته الأخيرة لـمدينة هكاري الحدودية التركية، صدرت صور ومقاطع فيديو عبر المنصات الاجتماعية أثارت اهتمامًا واسعًا، واعتُبرت مؤشرًا على استعداد الحكومة التركية لفتح صفحة جديدة مع الحركة الكردية، وليس فقط عبر العمليات العسكرية.

وفد DEM Parti يلتقي أردوغان بعد لقاء أوجلان

في موازاة ذلك، التقى وفد رفيع المستوى من حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب” (DEM Parti) اليوم بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بعد أن عقد لقاءً تاريخيًا مع عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، في جزيرة إمرالي أمس الأحد.

ويُعدّ هذا اللقاء خطوة غير مسبوقة في المشهد السياسي التركي، ويُظهر أن إردوغان مستعد للاستماع إلى الرسائل السياسية القادمة من الجانب الكردي، حتى لو كانت تحمل توقيعًا من داخل السجن.

وقال المتحدث باسم DEM:

“اللقاء لم يكن مجرد لقاء سياسي، بل هو رسالة بأن الحل يجب أن يكون ديمقراطيًا، وليس أمنيًا فقط”.

التفاصيل التنفيذية تُناقش في بغداد

في يوم الثلاثاء القادم، سيجري قالين لقاءات رفيعة المستوى في بغداد، مع:

  • الرئيس العراقي عبد اللطيف جمال رشيد
  • رئيس الوزراء محمد شياع السوداني
  • مسؤولين في وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات العراقي.

وتتركز هذه اللقاءات على وضع الآليات العملية لضمان عدم استخدام الأراضي العراقية كقواعد خلفية لنشاطات PKK، كما كان الحال خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى مناقشة كيفية تنسيق الخطوات بين تركيا والعراق والإقليم الكردي، خاصةً فيما يتعلق بمراقبة الحدود وإدارة المناطق المتنازع عليها مثل خانقين وبدرة وحلبجة.

وقال مصدر دبلوماسي تركي:

“المرحلة الجديدة ليست فقط عن إلقاء السلاح، بل هي إعادة تعريف العلاقة بين تركيا وكوردستان، وفيها دور محوري للعراق”.

اللجنة البرلمانية آتية.. وعودة إلى البرلمان

بعد عودته إلى تركيا، سيواصل قالين مشاوراته داخل المؤسسة التركية، وسيزور الرئيس الجديد للبرلمان نعمان قورتولموش، يوم الأربعاء، حيث سيتم تقديم معلومات شاملة للأحزاب السياسية حول مسار “عملية الحل”، وذلك استعدادًا لتشكيل “لجنة برلمانية دائمة” لمتابعة تنفيذ الاتفاقات وضمان الشفافية.

وأشارت المصادر إلى أن “اللجنة ستضم ممثلين من كل الكتل البرلمانية، وستكون مسؤولة عن مراقبة تنفيذ البنود المتعلقة بالسلام، سواء على الصعيد الأمني أو الإداري أو الثقافي”.

تسليم الأسلحة من المتوقع أن يتم في السليمانية

تشير المعلومات الميدانية إلى أن حزب العمال الكردستاني قد يعلن رسميًا عن “إلقاء السلاح” هذا الأسبوع، وأن “تسليم الأسلحة سيتم في مدينة السليمانية بشمال العراق”، كـ**”بادرة حسن نية” من قبل الحزب،** والذي بدأ فعليًا في تفكيك بعض الوحدات الميدانية في الجبال، ونقل المقاتلين إلى مناطق غير استراتيجية.

وقال مصدر كردي مقرب من الحزب:

“السلاح لن يُعطى لتركيا مباشرة، بل سيتم تسليمه تحت رعاية دولية، وربما تحت ضمان الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي”.

ويضيف:

“الهدف ليس فقط إنهاء العنف، بل إعادة بناء الثقة بين المجتمع الكردي والدولة التركية، وهو أمر لا يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها”.

هل بدأت مرحلة “السلام” حقًا؟

رغم التفاؤل الحذر، فإن الخبراء والأوساط السياسية تؤكد أن “السلام الحقيقي لا يبدأ بإلقاء السلاح، بل ببناء الثقة”، وهو ما يجعل التحدي الأكبر أمام تركيا هو كيف تتعامل مع الحركة الكردية بعد تسليم السلاح، وهل سيكون هناك اعتراف حقيقي بالحقوق الثقافية والسياسية للمجتمع الكردي؟

“الحزب الحاكم يحاول تقديم نفسه كدولة قوية، بينما DEM وPKK يحاولان تقديم أنفسهما كحركة سلام. لكن النجاح لن يُقاس بعدد المسيرات أو تصريحات الزعماء، بل بقدرة تركيا على التعامل مع القضايا الجوهرية: التعليم، اللغة، الحكم الذاتي، والمشاركة السياسية”.

ردود فعل متباينة داخل تركيا
  • اليمين القومي : أعرب عن تحفظه على أي تسوية تمنح “الإرهابيين” شرعية سياسية، وقال النائب القومي أوزغور أوزيل :

    “لا يمكننا السماح بتغيير اسم الإرهابيين ليصبحوا سياسيين. هذا سيكون بداية الحرب الثانية”.

  • المعارضة العلمانية : رحب البعض بـ”التحول نحو الحوار”، وقالت النائبة سونجو يلدريم :

    “الحوار أفضل من الحرب، وإذا كان هذا السلام حقيقيًا، فهو يستحق التجربة”.

  • المنظمات الحقوقية : دعت إلى “إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، ووقف المحاكمات الجماعية ضد الكرد، قبل اعتبار السلام “كاملًا”.
المجتمع الدولي يدعم التهدئة.. لكنه يراقب بحذر

رحبت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بهذه التطورات، وقال المتحدث باسم البيت الأبيض:

“نعتبر هذه الخطوات إيجابية، وندعو الجميع إلى التزام الطرفين بتنفيذ الالتزامات، وعدم استخدام السلام كذريعة للتوسع العسكري أو للانقسام الداخلي”.

أما المبعوث الروسي الخاص إلى تركيا، أليكسي نوفيكوف، فقد أعرب عن تأييد موسكو لحل سلمي يحافظ على وحدة الأراضي التركية، ويمنع تدخلات الغرب أو الشرق في العلاقات الداخلية.

“عملية الحل” في تركيا ليست مجرد مفاوضات، بل هي اختبار استراتيجي حقيقي للجميع، سواء من جهة **الحكومة التركية، أو من جهة الحركة الكردية، أو من جهة الدول الإقليمية والدولية المشاركة في الضمانات.

بينما يتوجه قالين إلى بغداد، ويقترب حزب العمال الكردستاني من تسليم سلاحه، فإن الكلمات الآن تُكتب في الغرف المغلقة، أما على الأرض، فـالناس ما زالوا ينتظرون أولى ثمار السلام.

هل ستنجح تركيا هذه المرة في كتابة قصة سلام حقيقية؟ أم أنها مجرد تكتيك جديد في لعبة طويلة؟