
إنه جيل الأجهزة الذكية وعقيدة ما بعد الحداثة٠ اليوم أصبحت الأجهزة الذكية جزءاً رئيسياً من حياتنا اليومية بدأنا نستخدمها بقدر ما تستخدمنا٠ ويتعلق تأثيره علينا بقدر حاجتنا لها وما نقوم به من تفاعلات، يزداد إرتباطنا تشعباً، كلما زادت معرفتنا بها، فتمنحنا الكثير دون توقف وتغرينا بالمزيد٠ هذه العلاقة المتشابكة تميل لصالح الشخص الأكثر ذكاءاً٠ بما أننا نعتقد إنها وضعت في خدمتنا وتلبية طلباتنا، نكون قد وقعنا تحت تأثيرها وأصبحنا في خدمتها ٠ وهو بدوره يعيد تشكيل وعينا ومستويات إهتمامنا وإنتقالنا من واقعٍ فعلي وملموس الى واقع إفتراضي باهت٠ إضافةَ الى كونها جاذبة لاتطالبك بالكثير لكنه يقودك بدهاء في وقتٍ يوهمك إنه هو المقود٠ لو نعيد النظر في مستوى الوعي لدى جيل التطبيقات الذكية، هل هذا الجيل أكثر وعياً مما سبق ؟ الجواب : إنَّ مفهوم الوعي لديه يعاني من إشكالية هي أنه لايدل بالضرورة على كثرة مايملكه الانسان من معلومات تُضَخ في ذهنه بشكل متسارع، مما يجعل عالم الانسان يتكدس في ذلك الجهاز حامل الأجوبة ويتمحور فيه٠ أما إنتاج الوعي يكمن في قدرة الإنسان على إعادة صياغة تلك المعلومات، والمساهمة في إنتاج معرفي يدفع بالإبداع والموهبة والقدرات الذهنية، ويجعلها تعمل أسرع وأكثر تركيزاً٠ لكن هناك سلبيات يخلقها الاعتماد على سهولة وصول المعلومة دون القدرة على تصنيفها والتأكد من دقتها، مما يخلف فهم سريع وعابر يتميز بالإكتفاء٠ لذا أسس الحضارة لم يصنعها جيل الأجهزة الذكية بقدر ما يصنعها (جيل المفكرين والمبدعين)٠إذن من يتحكم في تطبيقات تلك الأجهزة هوصاحب الذكاء الاوفر وله القدرة على صنع ثقافة خاصة به قابلة للانتشار والتوسع والتأثير في إطار الابداع الفردي والمبادرات القيمة وحقل صناعة المعرفة ومجال إحتضانها المجتمعي٠ فهل يساهم جيل الأجهزة الذكية في صنع دولة المستقبل ؟ أم يكون جيلاً ضائعاً منعزلاً أكثر من كونه جيلاً واعياً منفتحاً على الحضارة الحقيقية ؟
تحولات الفكر والأيديولوجيا … وما وراءها
لتفكيك واقع ما وإعادة صورة تشكلت في الماضي الى هذه اللحظة والتنقل الى المستقبل٠ وتحقيق ذلك كما نصبو اليه، ما لنا الا وضع أسس الحوار الصحيح، وهذا ما عانَ منه أجيالنا والاجيال الأخرى، لانه طالما الجدليات ، الحوار، والاسئلة التي سادت في أروقتنا، مجالسنا محافلنا وحتى كتبنا أكثرها قديمة لاقيمة كبرى لها اليوم أو قيمة تخدم واقع الأجيال وصناعة المستقبل٠ بل لها علاقة بأجندات الماضي وتساؤلات طرحت منذ أزمنة بعيدة ما زلنا نحاول إيجاد الحلول لها٠ حتى باتت قليلة الأهمية وقد تدخل في الترف الفكري فقط أو نمط الفكر (المحلق) وهو نمط من التفكير التجريدي البعيد عن الواقع الملموس أو لا يكون له صلة بقضايا الناس أو سياق حياتهم ويتميز كذلك بإبتعاده عن الممارسة العملية وإنشغاله بالأفكار المجردة المعلقة في فضاء المثالية دون أن تترجم الى حلول ملموسة أو مواقف فاعلة وقد تخلو من الفائدة المرجوة سوى تشغيل الوقت وهدره٠
هي جدليات واسعة وكبيرة حول التحول الكبير في عالم الانترنيت التي تثبت إننا لسنا بحاجة في هذه اللحظة الى هذا الكم الهائل من المعلومات والفكر (المحلق) بل نحن بحاجة الى فكر(جاثم) أي الفكر الذي يعالج واقع معين وسمي بالجاثم (أي ينزل الى أرض الواقع ولا يشكل تراكم فكري يثقل إدمغتنا بدون جدوى)، كما إنه نمط فكري متجذر في الواقع يرتبط بتجارب الناس الحياتية ويعالج مشاكلهم ويسعى الى تقديم حلول واقعية تنبع من سياق الثقافة والتأريخ للمجتمع ويواجه التحديات المعاصرة بشجاعة وهذا هو التحدى الأكبر لكل منظومة٠
من المعلوم أن التغيرات الكبرى التي تحدث في العالم مبدأها (الانسان) منها موازين القوة والاقتصاد٠ فما هو التغيير الذي طرأ على معشر البشر الذين يعيشون في هذا الزمن أو العصر؟ هناك تغيرات حدثت في (القرن العشرين وصولاً الى الزمن الذي نحن فيه)، لها علاقة بتشكل مفهوم الجيل ٠ تأريخياً عبر كل الثقافات والحضارات٠ عمر الجيل يقدر بـ (٤٠) سنة وهي الفترة الزمنية المرتبطة بايولوجياً بالنضج الإنساني، أي بداية إنتقاله من مرحلة الشباب الى الكهولة الذي يتميز بـ الاستقرار النفسي ( الاستقرار العاطفي) ، بناء الاسرة ، والتي بنيت على نظريات، هذا المبدأ تم ذكره من قبل العديد من المؤرخين ومنهم (إبن خلدون) الذي أعتمد في مبدأه على ( دورة حياة الدولة) التي وضحها على أربعة مراحل زمنية ؛
١-مرحلة التأسيس من ( ٠ – ٤٠سنة) وتتميز الدولة في هذه المرحلة الزمنية بـ قيام الدولة على أسس هي القوة ، الشجاعة، البسالة، وشضف العيش
٢- مرحلة الإزدهار من (٤٠ – ٨٠ سنة) وتتميز باستقرار الحكم ، توسيع العمران، الرخاء والرفاه
٣- مرحلة التراخي من (٨٠ – ١٢٠ سنة) ضعف العصبية، الميل الى الراحة، إعتماد الدولة الغير
٤- مرحلة الإنهيار من (١٢٠ – ١٦٠ سنة) والجانب المهم في هذا المبدأ هو أهمية سن الأربعين وبعد الأربعين مباشرةً، هو سن تكملة العزيمة المتعلقة بالوعي والإستقرار الفكري، والنفسي وقد تتأرجح في البداية بين الطموح المتدفق (الزائد) والوعي القليل لكن سرعان ما يستقر وضع الانسان وتتثبت ركيزة قراراته في الفترة الأكثر نضجاً لتدخل حيز التطبيق على الواقع الملموس، ويواكب الانسان في الأربعين جيل النضج والرشد وإشتداد العود٠
الانسان والتغيرات الكبرى
في الفترة الأخيرة من الزمن حدث (إنفكاك) للنمو الطبيعي للإنسان حتى وصوله لسن (الأربعين)٠ والاجيال الحديثة تعرضت الى نمو (محفز) مصطنع أو مفتعل صنعته دوافع لم تظهر لدى الآباء والاجداد٠ وهي تلك الطفرات والنقلات السريعة في عالم التكنولوجيا وآثاره على عوالم الأيدولوجيا والمجتمع٠ ويذكر (د٠ وضاح خنفر) لكي نفهم أي جيل هناك عناصر
هي :
١-البيئة الإجتماعية وضرورات العيش
ويتعلق بـ طبيعة المجتمع الذي نشأء فيه ذلك الجيل ، أولوياته وإحتياجاته الأساسية وأثرها في تكوينه
٢- الأفكار والأيدولوجيات السائدة من حيث المنظومات الفكرية والثقافية، والتي أثرت في تلك المرحلة، وما القيم والإتجاهات التي شكلت وعي الجيل٠
٣- التكنولوجيا المتاحة والمستخدمة
٤- الادوات والوسائل التقنية التي تعامل معها هذا الجيل، وكيف أثرت في تواصله مع العالم وتفاعله مع المعرفة؟
ويذكر الدكتور (وضاح) أن النمو الطبيعي كان مرتبطاً بالنمو البايولوجي والنمو النفسي، الذي هو سن (الاربعين)، لكن في العقود الماضية ظهرت قفزات جديدة في عالم التكنولوجيا والذي إنعكس على الجوانب الأخرى٠ لانه عالم التكنولوجيا لم يكن عالماً (أدواتياً) في سبيل المثال عندما تم إختراع وسائل النقل التي تعتبر من الوسائل الأدواتية زاد التواصل ووسعت آفاق الانسان لكن كان توسعاً رفيقاً رشيداً وليست (قفزة هائلة) تسيطر على مدارك الانسان ليغرق في واقع إفتراضي مندمج بواقع حقيقي فهذه الطفرة لم تعتد عليه العقل البشري والنفسية الطبيعية٠ لذا هذه الطفرات ليست حالة طبيعية من النمو التكنولوجي الذي عاشه الانسان كما عاشه عندما إنتقل من الحصان أو العربة الى القطار ثم السيارة السريعة … الخ بل هناك نقلات جديدة متعلقة بالوعي المعرفي الانساني وليست لها علاقة بالأدواتية مثل الانتقال والتصنيع، الأخذ والرد ٠ بل لها علاقة بالتشكل المعرفي الادراكي للعقل البشري وهذه النقلات غاية في الأهمية وسريعة ومنضغطة أدت الى إنضغاط ( فترة إنتقال الوعي الانساني من جيل الى جيل) بطلات سريعة غير طبيعية٠
تطور مفهوم الأجيال
جيل إكس من (١٩٦٥ – ١٩٨٠) x
(( جيل الازدواج)) عاش بين القيم التقليدية وبداية الإنفتاح، ووازن بين عالم ماقبل التكنولوجيا وبعدها
جيل واي من (١٩٨٠ – ١٩٩٥) y
((جيل الانترنيت المبكر )) هو الجيل الذي عايش ولادة الشبكة العنكبوتية، وتعلم كيفية التعامل مع التكنولوجيا خطوة بـ خطوة
جيل زد من (١٩٩٥ – ٢٠١٠) z
((جيل وسائل التواصل)) – نشأ في ظل شبكات التواصل الاجتماعي وإرتبط وعيه بثقافة الاتصال الفوري والمحتوى المرئي
جيل الفا من (٢٠١٠- الآن)
(( جيل الخوارزميات )) – يتفاعل مع العالم من خلال الذكاء الإصطناعي ، والتطبيقات الذكية وخدمات مخصصة مدفوعة بالبيانات٠
وهذه التقسيمات صحيحة وخاصةً للغرب الى حدٍ كبير لانها نشأت فيها أصلاً
الفرق بين جيل (الفا) وجيل x))
جيل الفا : هو الجيل الذي ولد في القرن الواحد والعشرون (٢١) المعروف بـ جيل التكنولوجيا، أبصر النور بالكامل في عصر (الثورة الصناعية الرابعة) عصر الذكاء الإصطناعي وعصر الخوارزميات والمواصلة السحابية iCloudوهو الجيل الأكثر وعي ومعرفة في التأريخ نظراً لممارسته نشاطات تتجاوز أعماره بكثير، ووفقاً للإحصائيات في الولايات المتحدة يعيش أكثر من (٢٢) مليون آباء من الألفيين، ويولد لهم (١٩) الف طفل كل أسبوع٠ وفي أنحاء العالم أكبر عدد لهذا الجيل يتعلم في المدارس الإبتدائية حالياً ٠ حسب ماذكرته مجلة (فوربس الاقتصادية) الامريكية المرموقة، هذا الجيل تكنولوجي بامتياز، كونه يمضي حياته منغمس في الشاشات والعوالم التقنية، ولنتذكر عام ٢٠١٠ هو عام إطلاق الأيباد وظهر في تطبيق الإنستگرام الذي كان صيحة التقنية في ذلك العام٠ كل هذا يجعل من الجيل الصغير أهمية بالنسبة للشركات، كونهم زبائن الحاضر والمستقبل، لهذا الكثير من العلامات التجارية إستهدفت الأطفال وفق إستراتيجيات خاصة للتعامل معهم حيث مخاطبتهم وكسبهم أيضاً٠ وفق التقارير المنشورة في ٢٠٢٠ أثَّرَ الأطفال بنسبة ثمانين بالمائة دون سن ال ١٢ على مشتريات الاسرة بما يصل الى ٥٠٠ مليار دولار من المشتريات سنويًا فلنتخيل اهتمام الشركات بهذا الجيل كونه جيل متطلب جداً وعلى درجه عالية من الذكاء٠
هناك جيل سبق جيل x يعرف عادةً بـ جيل (الطفرة السكانية) أو جيل Boomers والذي ولد بين عامي ١٩٤٦ – ١٩٦٤خلال طفرة مواليد بعد الحرب العالمية الثانية، أما جيل x نشأ بين النمو الاقتصادي الكبير والتغيرات الاجتماعية والإبتكارات التكنولوجية بما فيها حركة الحقوق المدنية وهبوط الانسان على سطح القمرالتي كانت القوة الدافعة وراء الثورة الثقافية في الستينيات والسبعينيات بما فيها الحركات المضادة٠ وغالباً ما يرتبط هذا الجيل بالقيم، العمل الجاد، التفاؤل والطموح كونهم إستفادوا من الرخاء بعد الحرب وأمن الوضائف٠وهو فجر بزوغ الانترنيت٠وجيل يسمى بـ أطفال المفاتيح كونهم تربوا على يد آباء عاملين وأعتمدوا على أنفسهم في وقت مبكروقدم لنا هذا الجيل أول موجة من العاب الفيديو هم مخلصين لقيمهم، ولهم حنين الى الماضي التناظري٠

