١٠\٧\٢٠٢٥
القلق هو شعور بالخوف والتوتر والتحسب من شيء مجهول قد يحدث في المستقبل، وهو عبارة عن حالة نفسیة طبیعیة لولاه لما تحرك الكائن الحي من مكانه بل لإنتهی به الأمر إلی الهلاك. فمن دون قلق لا تشعر بالجوع أو العطش أو الرغبة فی التحرك لنیل المرام مهما كان صغيرا أو كبيرا. فالقلق هو مولد الطاقة الضرورية للبقاء علی قید الحياة والإستمرار فی التقدم والإزدهار وكذلك التأهب والإستعداد أمام المخاطر والتهدیدات.
عندما یتحول القلق الطبیعی إلی حالة مستمرة أو متكررة أو متزايدة أو مبالغ فيها بصورة غیر منطقیة دون مبرر خارجي أو داخلي، حينذاك يكون القلق مرضیا یصفه علم الأمراض النفسية بإضطراب القلق وهو يتكون من عدة أمراض لايمكننا سردها هنا لضيق المكان و عدم توفر الزمان و قلة علاقته بموضوعنا هنا حیث یتعلق الأمر هنا بالقلق الذی یظهره بعض من الكتاب والمثقفین الكورد من الأوضاع الراهنة فی الشرق الأوسط عامة وفی كوردستان بصورة خاصة حین تذكرنا بما یرویه تأريخنا الحدیث والقديم عن ما یراود شعبنا من شعور بالغبن الذی جلب لنا المآسي والكوارث وحرمنا من التمتع بدولتنا الخاصة علی أرض آبائنا وأجدادنا.
أما الإطمئنان فهو علی عكس من القلق عبارة عن حالة من السكينة والهدوء النفسي عندما يزول القلق أو یهدأ الخوف. والإطمئنان حالة ضرورية نسعى إلیها كلما شعرنا بالخوف سواء كان من شئ واقعي ملموس أو تهدید من شئ مرتقب مجهول. وهنا تكمن أهمية الإطمئنان حیث يعزز الصحة النفسية والجسدية معا ویحسن جودة الحياة. ویأتی الإطمئنان من معرفة الحقائق و الثقة بمصادرها. لذلك یتعین علی الكتاب والمثقفین أن یلجأو إلی سرد الحقائق التی تجلب الثقة للناس وتقدمها بأسلوب مفهوم من قبل الجميع لكی لایبقی مجالا للشك أو التأویل والتكهنات السلبية المبنية علی ذكريات الماضي الأليم أو التوقعات البعيدة عن الواقع.
ما یحدث حاليا فی مجتمعنا الكوردستانی هو حالة من الفوضى السیاسی وعدم الإستقرار شأنه شأن جميع مجتمعات الشرق الأوسط، وذلك بسبب الحروب التی تدور رحاها علی أرضنا و إستمرارها فی قتل الآلاف من الأبرياء من أبناء شعوب المنطقة علی حساب مصالح سیاسیة لدول تفعل كل شئ من أجل حماية أهلها ومصالحها بينما تنعدم الشفافية لدی السلطات المحلية فی منطقتنا وهی تدخل فی مفاوضات غیر عادلة مع القوی العالمية العظمی التی تستغلها وتجبرها علی إتفاقات أو تنازلات دون علم الشعوب المحلية بما یجری من نفاق خلف الكوالیس.
ولكن الشعوب المحلية فی مجتمعاتنا تمر فی مرحلة من التحول الإجتماعي السريع نتیجة للعولمة والتقدم التقني، فكثيرا ما یسبق الشعب قيادته فی الإطلاع علی تلك التطورات وأصبح الشعب نتيجة لذلك یسبق قیادته فی معرفة الحقائق عن الوقائع والأحداث، وأصبح الشباب فی كوردستان واعیا ومدركا حول ما یجری فأخذ یستلم زمام الأمور وینضم إلی ثورة الشباب فی المنطقة و قد كانت عارمة بالعنف عندما تعاندت السلطة فی إخفاء الحقائق عنها و أخذت بتهميش الشباب وعدم السماع إلی ندائهم السلمي الهادئ و مطالبهم العادلة واقتراحاتهم العلمية والمنطقية. هنا یأتی دور الكتاب والثقفین من أبناء شعبنا لكی تشارك فی تقريب وجهات النظر بین الشباب وأولياء أمورهم لكی تجلب الاطمئنان بدلا من القلق المفرط كما ذكرنا.
فلا داعی للقلق أوالتسارع فی الأحكام. لأن كل ما تإتی به السلطات الأمریكیة أو الإسرائیلیة أو الفارسية أو التركية أو العربية ماهی إلا سياسات فوقية لأجل حماية مصالحهم طبعا (كل حزب بما لدیهم فرحون). المهم بالنسبة لنا أن نكون فی مستوی المسۆلیة لطرح آرائنا و بسط إقتراحاتنا حسب حقوقنا و واجباتنا و وفق إمكانیاتنا. فی “روژئاڤا” هنالك نضوج ملحوظ علی مستوی الفرد والمجتمع، سبق وأن ظهر جلیا فی جمیع أمورهم وتجاوزهم للأزمات، لذلك سمیت نموذج روژئاڤا “عابر الأزمات“.
كذلك یثبت العلم والتأریخ بأن جمیع التغیرات الفوقیة، أی التحالفات السیاسیة بین الدول، قابلة للزوال مهما كانت القوة خلفها. مایبقی هو التغییر الجذری، أی وعی الفرد بتكوین الشخصیة السلیمة المبنیة علی أسس الحریة الشخصیة للفرد فی المجتمع، فهو كفیل بجعل الفرد قابلا للمطالبة بحقوقه والتمتع بها والمقاومة بصورة سلمية من أجل الحصول علی تلك الحقوق العادلة مهما كان التغییر السیاسی الفوقی ظالما أو تعسفیا.
ومن جهة أخری فقد تكون هذه “المقایضة السلسة” مفیدة لنا فی هذه المرحلة لأننا فی جنوب كوردستان مثلا لازلنا نعیش بالإعتماد علی الغیر، والفرد منا غیر قابل علی طلب أدنی حقوقه كالراتب مثلا فكیف بنا فی إدارة دولة أو تحمل مسۆلیة.


One Comment on “القلق و الإطمئنان فی كوردستان- د. عبدالباقي مایی”
Comments are closed.