السويداء / دمشق، بتاريخ 14 تموز 2025 — حذر مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، من أن الخسائر البشرية في محافظة السويداء قد تفوق الـ400 قتيل وجريح من كلا الطرفين، الدرز والبدو الموالون للحكومة السورية.
وأكد عبد الرحمن، في تصريحات لشبكة رووداو الكردية اليوم الاثنين:
“نتحدث عن نحو 60 قتيلًا من أبناء السويداء، بينهم 4 أطفال وسيدات، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى”، وأضاف: “أما الجانب الآخر، فتشمل الخسائر عناصر من وزارة الدفاع السورية وقوات العشائر البدوية المسلحة، لكن الأرقام لا تزال غير نهائية بسبب استمرار المعارك”.
الاشتباكات مستمرة.. ودمشق تُعدّ لحسم عسكري
قال عبد الرحمن إن “الاشتباكات العنيفة ما زالت متواصلة دون انقطاع، وباتت القوات الحكومية على بعد كيلومترات قليلة من مدينة السويداء”، مشيرًا إلى أن “الحكومة المؤقتة برئاسة أحمد الشرع اتخذت قرارًا بالحسم العسكري، وهو أمر واضح من خلال التعزيزات الكبيرة التي أُرسلت إلى المحافظة بأوامر مباشرة من وزير الدفاع مرهف أبو قصرة”.
وأضاف:
“الحسم العسكري يبدو أنه سيكون سيد الموقف، وهذا يثير القلق البالغ من احتمال وقوع مجازر جديدة بحق المدنيين أو النشطاء المحليين، كما حدث في الساحل السوري قبل أشهر”.
تحذيرات من تنكيل وإحراق ونهب.. والجثث ضحية التنكيل
كشف عبد الرحمن أن “عمليات التنكيل بالجثث بدأت منذ يوم أمس، وللأسف من كلا الجانبين، لكن بشكل أكبر من قبل القوات الحكومية والفصائل المتحالفة معها”، مشيرًا إلى أن “هناك عمليات اقتحام للقرى وإحراق منازل”، وهو مؤشر خطير على أن الصراع بدأ يأخذ طابعًا طائفيًا وانتقاميًا، وليس فقط عسكريًا.
وقال:
“المنطقة ذات حساسية كبيرة جدًا، ويجب التعامل معها بحذر شديد. الحل يجب أن يكون عبر الحوار، وليس عبر التدمير والقمع”.
وحث القيادات العسكرية على “ممارسة ضبط النفس، وعدم السماح باستهداف المدنيين أو المتورطين من المواطنين تحت أي ظرف”، مضيفًا:
“إذا ما أُطلقت يد المقاتلين في السويداء، فسنكون أمام مجازر جديدة، ونهب للممتلكات، وجرائم لا يمكن إيقافها إلا بعد فوات الأوان”.
“الحسم العسكري”.. أم “الحل السياسي”؟
أعرب عبد الرحمن عن أمله في أن يكون هناك صوت عقل حقيقي لإيجاد تسوية سلمية في المحافظة، خاصةً في ظل تجربة الحرب الأهلية السابقة، ومجازر الساحل السوري التي لم تُحسم قضيتها حتى اللحظة، رغم مرور أربعة أشهر عليها.
وقال:
“المجتمع الدولي ينسى بسرعة، وهناك محاولات لتجميد التحقيق حول المجازر السابقة، وتفتيتها بحيث لا تتسبب بعقوبات دولية أو تحركات قانونية”.
ويضيف:
“لكن السويداء مختلفة. هي ليست مجرد منطقة سورية، بل تقع في قلب الصراعات الإقليمية، وتضم مجتمعًا له حضور ديني وثقافي كبير، مما يتطلب تعاملًا أكثر دقة”.
المجتمع المدني يعاني.. والمستشفيات مكتظة
على الصعيد الإنساني، أكد عبد الرحمن أن “الوضع الكارثي يتفاقم داخل السويداء”، حيث تواجه الكوادر الطبية المحلية انهيارًا كاملًا في البنية الصحية، بسبب نقص الإمدادات الطبية والكهرباء والمياه.
وقال أحد الأطباء في المشفى الوطني:
“كل شيء نحن فيه نقص. البنزين، والأدوية، وحتى أدوات التطهير. نحن نعالج الناس بدون تخدير، وننقل الجرحى إلى منشآت خاصة، لكنها أيضًا بدأت بالإغلاق بسبب الخوف من القصف أو الهجوم”.
الرئاسة الروحية الدرزية ترفض الحسم العسكري.. وتطالب بتدخل دولي
من جانبها، أعربت الرئاسة الروحية للمسلمين الموحدين (الدروز) في السويداء عن رفضها لاستخدام العنف باسم القانون أو باسم الدولة، وقالت إن “الحسم العسكري لن يحقق السلام، بل سيخلق جيلاً جديدًا من الكراهية”.
وجددت الرئاسة مطالبتها بتوفير حماية دولية فورية، وفتح تحقيق مستقل في الانتهاكات الجارية، ومحاسبة من يطلق النار على المدنيين أو يستهدف المنشآت الدينية والخدمية.
هل بدأت تركيا وإسرائيل التحرك؟
- الرئيس التركي رجب طيب إردوغان صرّح اليوم أن “سوريا الجديدة يجب أن تكون دولة لكل مواطنيها، وليس فقط لأصدقائها”، وأضاف:
“لن نسمح باستخدام العنف ضد أي مجموعة كانت، سواء درزية أو كردية أو عربية”.
- إسرائيل من جهتها، راقبت الوضع بصمت، لكنها **أكدت أنها لن تسمح بتحويل الجنوب السوري إلى “خط أمامي” لنشاطات الفصائل الإيرانية أو المسلحة.
الأمم المتحدة تدعو إلى وقف فوري للقتال
قال المتحدث باسم الأمم المتحدة في سوريا:
“نطالب جميع الأطراف بوقف فوري لإطلاق النار، وفتح ممرات إنسانية، وحماية المدنيين من العنف المفرط”، وأضاف: “إن استخدام القوة المفرطة والأسلحة الثقيلة في المناطق المدنية يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني”.
كما دعت السفارة الأمريكية في دمشق إلى “تحرك سريع لمنع كارثة إنسانية جديدة”، وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية:
“نرى أن الحل في السويداء يجب أن يكون سياسيًا، وليس عسكريًا، وندعو الحكومة المؤقتة إلى التفاوض مع المجتمع المحلي قبل أن تُفقد السيطرة تمامًا”.
السويداء.. نقطة الانقسام الجديدة
يشير المحللون إلى أن التطورات في السويداء تُظهر أن الصراع في سوريا لم ينتهِ مع سقوط النظام، بل تحوّل إلى وجه آخر، وأن الحكومة المؤقتة ما زالت تتعامل مع المعارضة الداخلية بنفس الآليات المستخدمة في الحرب الماضية، وهو ما يُضعف مصداقية الانتقال السياسي الجديد.
“ما يحدث الآن ليس فقط صراعاً درزياً–بدويًا، بل هو إعادة إنتاج للحرب الأهلية بوجه مختلف، عبر استغلال الخصومات التاريخية، وغياب آليات الحوار الحقيقي”.
بينما **تُستخدم الدبابات والمدفعية لإعادة كتابة الخارطة الأمنية، فإن الدرز والبدو يدفعون ثمنًا باهظًا، بينما العالم يراقب، ويرسل البيانات، ولا يفعل شيئًا على الأرض.
هل ستتحول السويداء إلى “حلب جديدة”؟ أم أن المقاومة المحلية والضغط الدولي سيعيدان وقف إطلاق النار قبل أن يُصبح الأمر لا رجعة فيه؟
يبقى الدم هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، بينما تستمر المسيرات في الجو، والبنادق على الأرض، والدعوات إلى السلام تبقى في السماء، دون أن تلامس الواقع.
سوريا.. لم تنته الحرب فيها بعد، بل تغير وجهها. والسويداء.. أصبحت رمزًا جديدًا لانعدام الأمان.

