دور الفرد فی ترسيخ السلام- د. عبدالباقی مایی

 

لا نبالغ إذا قلنا منذ البداية بأن الفرد هو الحجر الأساس لبناء السلام فی المجتمع، بعكس الحرب التی عادة تخطط وتنفذ بقرار فوقی من قبل اعلا سلطة فی المجتمع. فالسلم يدخل فی طبیعة الفرد عندما يبحث عن وسائل العيش وأسباب البقاء علی قید الحیاة، طالما یجد فی محيطه تلك الطبيعة المسالمة التی تتوفر بالتنسيق مع البيئة و المحيط. لذلك یستطیع الفرد أن یعیش بسلام لوحده مع الطبيعة المحيطة به إذا التزم بدوره كما رسم له من قبل خالقه الذی هو خالق الطبیعة كلها والمسۆل عن تزويد الفرد والمحيط بأسباب الهدوء و السلام المتلازمين واللازمین للإحتفاظ بالتنسيق بین الفرد ومحيطه. وعندما یجد الفرد نفسه فی مأزق مع المحيط، أو فی حاجة تتطلب إستعمال العنف، یستطیع الفرد التحكم بجهازه النفسی الذی یتكون من الأفكار والعواطف والسلوك، كل من هذه المكونات تتفاعل مع بعضها البعض للرجوع بالفرد إلی حالته الأساسیة المتسمة بالهدوء والإستقرار كعوامل ضرورية للعیش فی حریة و سلام.

لا شك أن الفرد يشكّل نواة المجتمع، وأن سلام المجتمعات يبدأ من سلام الأفراد. فبينما تتخذ قرارات الحرب عادةً على مستوى السلطات العليا، فإن السلام، على العكس، يولد من رحم الحياة اليومية للناس، من سلوكياتهم، من إدراكهم لذواتهم ومكانتهم داخل منظومتهم الاجتماعية. السلام ليس قرارًا سياسيًا بالأساس، بل هو موقف داخلي وشعور إنساني ينبع من وعي الفرد بدوره وبعلاقته بمحيطه، سواء أكان هذا المحيط إنسانًا آخر أم بيئة طبيعية. عندما يعي الإنسان أنه مخلوق ضمن منظومة متكاملة من الكائنات والعناصر البيئية، وأن عليه أن يؤدي دورًا متزنًا في الحفاظ على هذا التوازن، فإنه يسهم بشكل فعّال في صناعة السلام. وكلما كان الفرد مجهزا بشخصية سليمة یكون إلتزامه بالسلم والسلام أكثر تفهما وأسهل تطبيقا.

في ظروف الحياة الطبيعية، لا يحتاج الإنسان إلى الصراع ليعيش. فالسعي نحو البقاء لا يقتضي بالضرورة العنف أو التعدي، بل يمكن أن يتحقق من خلال التعاون والتكامل مع الآخرين. ومن هذا المنطلق، فإن الإنسان في جوهره يميل إلى السلم عندما تُتاح له الفرصة ليعيش في بيئة آمنة ومستقرة. هذا الميل الطبيعي نحو السلام يمكن أن يُعزز بالتربية، والتعليم، والممارسات اليومية القائمة على التسامح والاحترام المتبادل. ومن هنا تنبع أهمية تربية الأفراد على قيم السلام منذ الطفولة، لأن ترسيخ هذه القيم في مرحلة مبكرة يجعلها جزءًا من الهوية الشخصية للفرد، حتی وإن كان الفرد یعیش تحت الإحتلال. والمثال الحي فی عصرنا الحاضر يتجسد فی نموذج روژئاڤا عابر الأزمات.

السلام لا يعني فقط غياب العنف المادي، بل هو أيضًا غياب العنف الرمزي والنفسي، وهو يتجلى في سلوك الفرد تجاه الآخرين: في كلماته، في ردود أفعاله، وفي قدرته على الاستماع وتفهم الاختلافات. الفرد الذي يسعى لفهم الآخر بدلاً من إدانته، والذي يفضّل الحوار على النزاع، هو مساهم حقيقي في بناء السلام. وقد أثبتت التجارب التاريخية أن المجتمعات التي يتمتع أفرادها بوعيٍ عالٍ لقيم التعايش والتسامح، تكون أقل عرضة للانقسام والنزاعات الداخلية.

ولا يمكن تجاهل دور الدين والفكر الروحي في هذا السياق، إذ أن كثيرًا من الأديان والفلسفات تدعو إلى السلام الداخلي والخارجي، وتحثّ الإنسان على العيش بانسجام مع نفسه ومع الآخرين. هذا الانسجام يبدأ عندما يدرك الفرد أن ما يُعزز سلامه الداخلي ينعكس بالضرورة على سلوكه الخارجي. ومن هنا فإن العلاقة بين السلام الداخلي للفرد والسلام الاجتماعي للمجتمع علاقة تكاملية لا يمكن فصلها. فالاضطرابات النفسية، والشعور بالظلم، والفقر، والتعسف، والتهميش الاجتماعي، كلها عوامل قد تدفع الفرد إلى سلوكيات عنيفة أو منحرفة كالفساد مثلا. وبالتالي فإن الاهتمام بالعدالة الاجتماعية، وتوفير فرص الحياة الكريمة، لا يُعدّ مجرد مسؤولية مؤسسية بل هو أيضًا مدخل ضروري لترسيخ ثقافة السلام بين الأفراد.

في عالم اليوم، حيث تتداخل المجتمعات وتتعاظم التحديات، تبرز الحاجة إلى أفراد يمتلكون وعيًا عالميًا يؤمن بأن السلام لا يقتصر على محيطه المباشر، بل هو مسؤولية تمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الجغرافية أو الهويات الضيقة. فالفرد المسالم في مجتمعه قد يكون مصدر إلهام لغيره في مجتمعات أخرى، وهذا ما يجعل من السلام قيمة كونية تبدأ من داخل الإنسان وتمتد لتشمل الإنسانية كلها.

وعليه، فإن بناء السلام ليس مهمة مستحيلة ولا مشروعًا مؤجلًا إلى حين توافر الظروف السياسية المناسبة، بل هو مسار يبدأ من قرارات الفرد اليومية، من اختياره للكلمة المناسبة، من قدرته على ضبط انفعالاته، من احترامه للآخر حتى في لحظات الخلاف. وكلما زاد عدد الأفراد الذين يتحملون هذه المسؤولية، كلما اقتربنا أكثر من مجتمعات يسودها الاستقرار والتفاهم والعيش المشترك.

٢٦\٧\٢٠٢٥

One Comment on “دور الفرد فی ترسيخ السلام- د. عبدالباقی مایی”

  1. أرجو المعذرة من القراء الأعزاء، لأن الروابط فی المقالة لاتفتح المصادر. لاأدری لماذا. عسی أن تتكرم إدارة الموقع بایجاد السبب وحل المشكلة رجاء”. إلی ذلك الحین أكون سعیدا بإرسال المصادر إلی من یطلبه منی علی البرید الألكترونی: saxlemxane@gmail.com
    مع تحیاتی وتقدیری
    د. عبدالباقی مایی

Comments are closed.