
ما الذي يعنيه الإستراتيجية ؟ لقد أستخدم هذا المصطلح منذ القدم في المجال العسكري، وبرز بشكل واضح في الحروب النابليونية، كتب عنها الكثير من المفكرين وتناولوا فيها تشكيل الجيوش، حركتها، تقسيماتها، تكتيكاتها، وما الى ذلك٠ ثم تم الإنتقال في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الى! الاستراتيجية السياسية، أي الفكرة الجامعة التي يستطيع الناس من خلالها أن ينظموا من خلال رؤاهم وتصوراتهم الى مسار معين، وتعددت المجالات فيما بعد كالاستراتيجية الاقتصادية، الاجتماعية، إدارة الاعمال … الخ، وقد يقترن هذا المصطلح بمصطلح آخر هو الإستراتيجية الكبرى أو العليا أو الشاملة، هو مفهوم نشأ في عشرينيات القرن الماضي وتطور ليومنا هذا، ليصف الغاية الاستراتيجية الكبرى التي تهدف الدولة الوصول اليها مع الزمن كونها تنسجم مع مكانتها الحضارية، رؤيتها لنفسها، للمستقبل وللآخرين٠ هذه الاستراتيجية مرهونة بزمن طويل الأمد قد يستمر عقوداً أو قروناً، لان مكانة الدولة الامة في الغايات الاستراتيجية تبنى على أسس وقواعد أكثر ثباتاً من الاستراتيجيات الأخرى ٠
نظرية التعددية الثقافية
التعددية الثقافية هي مفهوم يتعلق بالمجتمعات التي تضم ثقافات عدةَّ، أو العلم الذي يتضمن ثقافات متنوعة، فالتعددية هي التنوع الثقافي والفكري، بالتالي هو عنصر إثراء إنساني وأساس وجودها، فهي تتضمن القبول بالآخر، والتنوع الثقافي، والأفكار الإنسانية عامةً، وإفساح المجال أمامها للمشاركة في بناء الثقافة والفكر العالمي، وتتمثل في التسامح مع ثقافات وأفكار مختلفة والإعتراف بالهويات والخصوصيات والإختلافات بدلاً من التهميش والقسر والإقصاء تحت الهيمنة٠ والهدف من كل ذلك هو التعرف على أهمية (نظرية التعددية الثقافية) بالنسبة للمجتمعات الإنسانية، وأسباب ظهورها ودورها في تحقيق الوحدة للمجتمعات الإنسانية لان التعددية الثقافية تؤمن بالحق في الإختلاف والتنوع٠ إنطلقت هذه الفرضية من فكرة مفادها : أنَّ الخيار الأمثل يتمثل في السعي الى صياغة نظرية معاصرة تنتهج منهجاً وسطياً للتوفيق بين هذين الاتجاهين لوحدة الدولة، الأولى : وحدة الدولة لاتقتضي أحادية ثقافة المجتمع٠ الثانية : إنَّ التنوع الثقافي لا يقتضي بالضرورة الى تشضي الدولة وإنقسامها٠ وهذا ماتؤكدها (نظرية التعددية الثقافية) ٠
الإشكالية
لكن لاتخلو هذه النظرية من الإشكالية، فـ لو نسأل سؤال جوهري مفاده أنَّ للتعددية الثقافية رؤية سياسية وأيدولوجية تجاه الثقافة والفكر، فأذا كانت الدولة واحدة … والواقع المجتمعي متنوع ثقافياً، فهل من الواجب جعل هذا الواقع إنعكاساً لوحدة الدولة ؟ أم جعل الدولة إنعكاساً للتنوع الثقافي؟ وهذا ما تم مناقشته وفق النظرية التعددية الثقافية لـ (كيميليكا)٠ لو نسأل ما المقصود بالتعددية الثقافية وما هي دوافع ظهورها ؟ هذا المفهوم وفق المفاهيم والدلالات الفكرية والتأكيد المتفق عليه : هي حالة قائمة بين المكونات الثقافية وتنقسم الى مطلبين :
الاتجاه الأول : مفهوم التعددية الثقافية : نظرية سياسية في التعامل مع التنوع الثقافي، تستند الى فكرة إقتسام السلطة بين الجماعات الثقافية في مجتمعٍ ما، على أساس المساواة، العدالة والأعتراف رسمياً بالجماعات الثقافية٠ كون تلك الجماعات متميزة ومختلفة ثقافياً في آنٍ واحد فتطبيق ذلك خلال سياسات معينة، بإستخدام مصطلح التعددية الثقافية كمصطلح شامل يغطي مساحات واسعة من السياسات التي تهدف الى توفير مستوى معين للقبول والاعتراف العام ومساعدة المجموعات العرقية الثقافية الغير مسيطرة، سواء كانت أقليات جديدة كالمهاجرين واللاجئين أو أقليات قديمة كالأقليات المستقرة تأريخياً والسكان الأصليين٠هكذا تدعو هذه النظرية الى الوعي بالذات الجماعية، ما بين الجماعات الثقافية متعددة الهويات، على أسس العدالة، ودعمها بآليات معينة بما ينسجم وطبيعة النسيج المجتمعي والمرجعيات الفكرية٠ والذي يعد إعترافاً رسمياً بالتباين والإختلاف٠ كوننا نعيش تناقضات جوهرية مابين ثقافات مجسدة لقيم ومعتقدات وحقائق غاية في التباين، إلا إنها مؤثرة وفعالة ضمن نطاق بيئتها أي (الدولة القومية) لذا من الملح أن لايعامل هؤلاء الأفراد على أنهم متساوون سياسياً فقط، بل الإعتراف بمعتقداتهم الثقافية على إنها معتقدات صائبة مجتمعياً رغم أنها غير متساوية وتتم مًؤسستها في المجال العام٠
الاتجاه الثاني : ويذهب الى أنَّ مصطلح (التعددية الثقافية) أيدولوجياً يهدف الى شرعنة التنوع الثقافي في التركيبة العامة لمجتمع أو دولة ما٠ ووصف التنوع، كحالة طبيعية وواقع لإختلاف دائم وليست فكرة طارئة على الإنسانية بل فكرة أصيلة ومتجذرة ، قرينة الإختلاف والتنوع وحقيقة قائمة وسياسة عامة تعتمدها الدولة القومية في إدارة ظاهرة التعدد الثقافي٠
لقد عبَّرَ الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) بقوله
إنَّ إنقسام العالم على أمم له وجهان : وجه حضاري والآخر سياسي
ولست أرى في الأنقسام الحضاري ما يدعو للأسف، فألأمم المختلفة تتميز بفضائل متباينة، وليس من المعقول أن يكون العالم كله متماثلاً٠ ولكن لايوجد سبب ينطوي على عداء سياسي فالتماثل الثقافي لايصب في مصلحة الإنسانية المتباينة ثقافياً وفكرياً، وعليه جاءت التعددية الثقافية إستجابة أو رد فعل لذلك٠ فجميع تيارات التعددية الثقافية تشترك في رفض النماذج المبكرة للدولة ذات التجانس الوحدوي والتي أفرزت عن ١- إنشاء ثقافة قومية متجانسة ٢- إضعاف هويات الأقلية المغايرة وإحتواءها والحد من نفوذها٠
ويرى كيميليكا إتجاهان متعاكسان في هذا المضمار، الإندماج والتوجه نحو التفكك، وهذا يكشف عن قوميتين متناقضتين هما : النزعة القومية للدولة من جهة، والنزعة القومية عن أزمة من جهة أخرى ٠ مما يعني أنَّ العنصر الاندماجي (الامة) وسياسات الدولة كانت ذات نتائج عكسية، والتي أفرزت عدد من الدوافع حملت مفكري التعددية الثقافية ولاسيما (كيميليكا) الى تناول التعددية بدلاً من الاندماج٠
وأخيراً أفول نموذج الدولة الأمة، لاسيما بعد بروزالعولمة وبدء إختفاء النماذج القديمة للدولة ذات النسيج المتماثل والمنسجم، كلما زادت المنازعات حولها، لتحل محلها نماذج التعددية الثقافية للدولة والمواطنة٠

