من منطلق ديمقراطي، لا ينبغي للقارئ أن يتفق مع كل ما نطرحه من أفكار أو أراء، وإنما الهدف ينحصر في جعل المواقف والتصورات وفقاً لمعيار الحد الأدنى من القبول السياسي المشترك الذي يكفل تطوير وتنمية وخدمة البلاد بغض النظر عن الاختلاف والتباين في الانتماءات السياسية والاجتماعية أو العرقية للأطراف السياسية في الوطن والمسؤولة بالتالي عن كل المتغيرات التي يمكن أن تجري على الساحة السياسية للبلاد. لقد أثبتت التجارب أن تخل الأطراف السياسية عن مواقفها وعدم تحديد حجم تحملها المسؤولية إزاء القضايا المتعلقة بالحريات المدنية أدت وتؤدي إلى فراغ سياسي قاتل يمهد الطريق لإقامة سلطة خارج نطاق الشرعية قادرة على إجهاض أي مكسب سياسي نطمح إلى تحقيقه. لقـد كانت الفرص بهذا الشان عديدة، والفرص في العادة تكون محددة في الزمن والمكان، فإن لم تكن قادر على احتواءها فستكون أنت المعرض للاحتواء، وهذا ما حصل مع حزب البعث، الذي تمكن من استثمار واستغلال أول فرصة عام 1968 على حساب التجارب السياسية الفاشلة للأحزاب التي افتقدت للمرونة السياسية في التكيف مع المستجدات الجارية على الصعيدين الاقليمي والدولي ( دور جمال عبد الناصر في تعظيم التيار القومي مثلا). لقد حصل الكثير من اللبس والتخبط الفكري في فتـرة السبعينات وتحديداً مع الحـزب الشيوعي عندما تخلى عن كافـة تنظيماته المهنية ـ الاتحادات الشبابية والطلابية والنسائية والعسكرية ـ استجابةً لشروط حزب البـعث في إقامة جبهة وطنيـة قومية تظم كافة الأحزاب السياسية في البـــلاد، وكانت مناورة سياسية انطلت على الجميع، وتم للبعث ما أراد. وقد يحصد العراق ذات النتائج في تخبطه وإخفاقاته السياسية. أن التاريخ يُحَملْ الأحزاب كل من موقعه وحجم ثقله السياسي مسؤولية اتخاذ القرارات، مسؤولية تحديد المواقف، مسؤولية الشفافية المفقودة في وضع الإطار العام المشترك للأهداف ذات النفع العام المراد تحقيقها وخاصة تلك المتعلقة بتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعيــة والمدنية عبر قوانين يتحكم في صياغتها أو تعديلها دستور وطني القابل للتعديل. أنها مسؤولية تاريخية لا يمكن غفران تقاعس أو تلكأ أي طرف من الأطراف السياسية في تحمل قسطا منها. فعلى إيجابية تحملها يعتمد التطور الإيجابي اللاحق للبـلاد والعكس هو الصحيح. أن كل تردد بهذا الشأن يمكن أن يؤدي بالمجتمع إلي كارثة حقيقية. والحديث عن الشـعب باعتباره صاحب ” قضـيـة ” يحتم على الأحزاب والقوى المعارضة الوطنية إدراك الأبعاد السياسية لكل خطوة تقدم عليها وأدراك مكونات القضايا الساخنة المتعلقة بالحياة المدنية والتي تطرح بين الفينة وأخرى. ورغم أن الأهداف في العموم تأتي متباينة نظراً لطبيعة الأيدلوجيات السياسية لأطرافها. فالقضية التي نحن بصددها تحتم التفاعل والتفاعل المتبادل المفضي إلى خدمتها تبعاً للظروف الموضوعية السائدة بعيدا – قدر الإمكان – عن المراهنات والتدخلات الخاصة بالنفوذ أو الإملاءات التي تفرضها قوى إقليمية أو دولية وفقا لحساباتها الاستراتيجية. إن الذي يجمع الشعب و” القضية ” هو القدرة على خلق مستلزمات النقلة النوعية من حالة الانهيار والانكسار إلى حالة النهـوض والانطلاق. وعندما نقول بأن للشعب قضيـة، فأننا نعني بذلك أن للشعب وجوداً ملموسا على الساحة السياسية من خلال فعاليات ونشاطات الأحزاب والقوى الشعبية الوطنية المتعددة في العراق لأنها متممة في بعض ومكملة في أخرى.
ومن هذا المنطلق السوي ننظر إلى ” القضية “ كتفاعل حواري دياليكتيكي متبادل ” متواصل ” حتى في أسوأ الظروف لتحقيق الهدف المشترك الذي نطمح الوصول إليه. وهو المنطلق الذي تأسس عليه مفهوم ” اللاقبـول ” بأي تنظيرات أخرى أو مواقف يفرزها التـكـتيك المرحلي، أو الدوافع الآنية أو المصالح الفئوية الضيقة وإلا ستكون الطبيعية استثناء والبديهية خداع والمنطقية تضـليــل. وعـندها سينتقـل مفهـوم ” الشـــعب ” بلا شــك من خانة الـ ” القضيـــــة ” إلى خانة الـ ” الضحية ” وحسب قـناعتنا، فان كل ما يندرج في خانة ” القضية ” يجب أن يفـهم على انه العـمل الهادف البنــاء والمشترك لمفهوم مرتبط بالثــوابت الوطنية والمبادئ القومية والقيـم الحضارية وأن مجـرد الاكتفاء برفع الشعارات الفضفاضة من باب الشعور بالحس الوطني أوالمبـاهاة بحجم ” ثورويتها “ دون القيام بما يخدم الصالح العــام بشكل فاعل وكما ينبغي، سيفسر باعتبـاره العجـز التام الـذي يلـف جســد ذلك العمل. إن الانتماء إلى الشعب واحترام ” قضيتـــه “ يتطلب قبل كل شئ نكران الذات والتضحية بالمصالح الشخصية أو الحزبية كما أسلفنا، لأن العمل السياسي هو ذلك الجـزء من الحركة الديناميكية لأي نشاط يهدف إلى خدمة ” القضية” لجهة تحريك الجماهير وتوعيتها وفقاً لبرامج سياسية تعتمد التعددية ومنهجية شفافة تكسب المصداقيــة حقها و تقنع أصحابها وتدفع بجماهيرها لجهة تحقيق آمالها و طموحاتها. أن ما يؤسف له أن الواقع ومنذ تموز عام 1958 يعكس الوجه غير المرغوب فيه للعمل النضالي في العراق، فمواقفنا وممارستنا السياسيـة خير شاهد على انهيار الـثوابت، مبادئ كانتـــأم أخلاق، والأكثر مرارةً في الأمر هو التداعي في ما يجمعنا رغم الكثير من القواسم المشتركـة التي تربط كل الأطراف. إن المنــــاورات السياسية وطرق الخداع السياسي والاستبداد بالرأي الواحد، وتهميش دور الآخر سياسياً كوسيلة للوصول إلى السلطة أو اللجوء إلى الاقتتال بين الاخوة والأشقاء أو تصفية الحسابات الفئوية، هو الطابع الذي غلف للأسف هذه السلوكيات والممارسات اليوميــة في الحياة السياسية، والتي دفعت وتدفع باليأس حداً وجد له مدخلا سهلاً إلى نفوس العراقيين وحط من معنوياتهم بدلا من زرع الأمل في قلوبهم لتحقيق طموحاتهم المشروعة في حياة دستورية متكاملة ومبنية على أساس من الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والاعتراف بالتعددية كأداة فعالة لتحقيق الأهـداف الاجتماعية. إننا على ثقة بأن الأطراف والقوى السياسية الوطنيـة في العراق بعد هذه المحطات التاريخية المؤلمة التي مرت بها، قد حسمت مسالة الانتماء والهوية وباتت لا تملك الترف الإيديولوجي للاستمرار في السجال حول قضايا باتت دلالاتها وأبعادها راسخة في الوعي والضمير، كما هي ليست بحاجة إلى استهلاك الذهن في العودة إلى نقاشات عقيمة لا يمكن مقارنة مفاهيمها أو مرتكزاتها مع المتغيرات والمستجدات الدوليــة التي أدت إلى قيام النظام الدولي الجديد. على القوى السياسية والوطنية أن تتسم بقدر كافي من النزاهة والشجاعة لرؤيـة الحقيقة الكاملة والتعامل مع استحقاقاتها ليس بهدف تكريس الهزيمة السياسية أو الاجتماعية، بل من أجل خلق رؤية عصرية للبنـاء السياسي لدولة تتواءم مع تجليات الألفية الثالثـة للميلاد. أن ما يدعوني إلى مثل هذا الطـرح، هو ذلك الكم من التساؤلات وتنوع علامات الاستفهام البادية على الوجوه العراقية عما آل إليـه العراق منذ تمـوز 1958 من مظاهر بشعة من القمع والاستبداد والظلم، ومن تدمير وإبادة وتدن في المستوى المعيشي للشعب إضــافة إلى الزمن السيئ الذي يمر به العرب كأمة حيث التداعي والإذلال والانكسار والتطبع بسبب من البربرية والقرصنة في ظل النظام الدولي القديم الجديد ذهب ضحيته شعب اقل ما يقال عنه…. انه شعب حضارات وطاقات.

