إنّ مقياس الثمانين عامًا أو المئة، ليس سوى نَفَسٍ عابر في سجلات الشعوب ذات التاريخ الموغل في القِدم، ولكنه قد يكون عمرًا كاملاً لحُلم أو مشروع. وفي غمرة هذا المدى، يبرزُ جرحُ الروح، ذاك الألمُ الذي نخشى أن يُصيّـرنا إلى العدم أو اليأس؛ فلتكن لنا وقفة تأمل. إنّ اليأسَ خيانةٌ للقدر وللإرادة، ففي كل محنةٍ أملٌ لا يغيب، وفي كل ظلمةٍ نورٌ يبزغ، ليس بالضرورة أن يكون ضياءً آتياً من وعدٍ، بل هو يقظةُ الوعي فينا، ودليلُ الحِكمة في تصريف الأمور. فالأمرُ يتطلبُ تدبيراً حكيماً لا مجردَ انتظارٍ لِمنقِذ، وعليه لا ينبغي أن نكون متشائمين ما دام في وجودنا حقيقةُ الدفء الكامنة في أبسط صور العيش، كحساءِ الشاي الـمُعطِّر، فـ نِعمَ الخالقُ الذي خلقَ لي الشايَ، ونِعمَ الأملُ الذي يُبعثُ مع كل رشفة.
لقد جئنا لنستعرضَ بانوراما عقدَين من الزمان، من التسعينيات حتى مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة، محطّمين جليدَ الصراع البارد الذي كان شذوذاً في العلاقات الدولية؛ إذ تحوّلت فيه الصداماتُ الساخنةُ إلى تجمدٍ على مستوى الفكرة والاحتواء. وبعد أن سقطَ سورُ برلينَ مُعلِناً انتهاءَ حقبة، لم يعد خفياً أن الكتلةَ الشرقيةَ تتداعى نحو الانهيار والتشرذم. هذا الانهيار لم يكن وليدَ لحظة، بل تراكمت عواملهُ، بدءاً من نظرةٍ ماكرو تُعنى بمحور التنافس العالمي بين القطبين العظيمَين، وانتهاءً بنظرة مايكرو تبحثُ في التحديات الداخلية التي قادت المنطقة إلى صحوة الربيع العربي.
كان الاتحادُ السوفيتيُّ مشروعاً هائلاً للهندسة الاجتماعية (Social Engineering)، فكرةً أرادت أن تُغيّرَ جغرافيا الوجود والوعي، وكان ناجحاً في جوانب عديدة. إلا أن التناقضَ بين النظريةِ الماركسيةِ وواقعِ الممارسة، والمشكلاتِ التي واجهتها آلياتُ التوزيع وإعادةِ الإنتاج الاقتصادي، قد استنزفت قُواه، فلم يعد النظامُ قادراً على تحمل عبء القوة العظمى، أو ارتداء قَميصِ الهيمنة على مسرح التمويل والتسليح الدولي. كانت الحاجةُ إلى مواردَ ماليةٍ هائلةٍ لدعمِ المجالاتِ الحيويةِ في الخارج، كالحربِ النجميةِ والتواجدِ العسكري، أكبرَ من قدرةِ هذا الكيانِ على الاستمرار، فـ الضعفُ الماليُّ يهوي بالحصونِ مهما علت أسوارُها.
في ذات الوقت، تداعت الأسسُ الداخليةُ تحت وطأةِ صعودِ القومياتِ والهوياتِ الدينيةِ والاجتماعية، فلم يستطعْ كيانُ الخمسةِ وعشرين كياناً – التي لا تتشابهُ في شيء – أن يبقى متماسكاً في ظل هيمنةِ المركزِ الروسي على مقاليدِ توزيعِ الثروة والسلطة. لقد كانت تلك صحوةُ الشعوبِ المقموعة التي لم يعد بالإمكان قمعُها إلى الأبد. وحين حاولَ الرئيسُ غورباتشوف تقديمَ إجابةٍ من خلال سياساتِ “الغلاسنوست” و “البيريسترويكا” أي “الشفافيةِ وإعادةِ البناء”، كانت محاولته لترميمِ الآلةِ وإطالةِ عمرها هي بالذات نقطةَ الانزلاقِ النهائية، فـ إرخاءُ القيودِ بعدَ طولِ قهرٍ يُحرّرُ الروحَ ولا يُبقي على الحصار. هذهِ الصراعاتُ بين صقورِ الحزبِ وعُقلاءِ الإصلاح أدّت في النهاية إلى تفككِ الإجماعِ المُؤسسي، مما عجلَ بانهيارِ الكيانِ برمّته، فـ الحكمةُ في التغييرِ ضرورة، والتحجرُ في العقيدةِ إفناء.
لقد كان الشرقُ الأوسطُ هو مسرحَ صعودِ القوى العظمى وهبوطها؛ فكما أشار المفكرُ ديمتري ترينين، فإنَّ نجمَ الاتحادِ السوفيتيِّ قد سطعَ في سماءِ المنطقةِ بعد أزمةِ السويس (1956)، وبدأ أفولُهُ مع تضاؤلِ نفوذِهِ بعد حربِ تشرين (1973) وغزوِ أفغانستان (1979). فانسحابُ مصرَ بقيادةِ السادات، ثم انسحابُ سوريّةَ من دائرةِ الولاءِ الكاملِ بعد اتفاقيةِ فصلِ القوات، كلُّ ذلكَ أظهرَ عجزَ موسكو عن حمايةِ حلفائِها أو استمرارِ دعمِهم في مواجهةِ الزحفِ الدبلوماسيِّ الأمريكيِّ بقيادةِ كيسنجر. كان الدرسُ البليغُ هو أنَّ دولَ المنطقةِ كانت تبحثُ عن التحررِ من الإمبرياليةِ لا عن استبدالِ عباءةِ قُطبٍ بأخرى، فـ السيادةُ هدفٌ أسمى من الولاء، وهذا ما فهمتهُ روسيا الحاليةُ جيداً عندما حاولت استعادةَ دورِها من نفسِ البوابةِ الاستراتيجية.
أما في الجانبِ الأيديولوجي، فقد أدركتْ موسكو أنّ زرعَ حركةٍ شيوعيةٍ أصيلةٍ في التربةِ العربيةِ أمرٌ بعيدُ المنال، فـ البروليتاريا كما عرفها ماركس لم تكن موجودة. لذا لجأ السوفييتُ إلى حلٍّ براغماتيٍّ عبرَ دعمِ حركاتِ التحررِ الوطنية على قاعدةِ مُعاداةِ الإمبريالية المشتركة، متبنيةً فكرةَ “الاشتراكيةِ العربية” الهجينةِ، كما تبلورت في حزبِ البعثِ وغيره. كان هذا الحلُّ محاولةً للحفاظِ على موطئِ قدمٍ عبرَ التخطيطِ المركزيِّ والاقتصادِ المُوجّه، لكن هذا الزواجُ القسريُّ بين القوميةِ والاشتراكية انهارَ سريعاً تحتَ ضغطِ تناقضاتهِ الداخلية، ورفضِ المنطقةِ لـ التبعيةِ الجديدة.
وفي خضمِّ هذا التفككِ العالمي، دخلت روسيا الاتحاديةُ مرحلةَ الاضطرابِ والتشظي في عهدِ يلتسين، حيثُ غَرِقتْ في دوّامةِ الوهنِ الاقتصاديِّ والدمارِ الماليِّ الذي ولّدَ طبقةَ الأوليغارشيا الجديدة، والتي احتكرت ثرواتِ البلادِ وقوّضتْ استقرارَها. ولقد جاءَ التحديُ الأكبرُ من صرخةِ القوميةِ المدويةِ في القوقاز، فـ تمرُّدُ الشيشانِ بقيادةِ الجنرالِ السوفييتيِّ السابقِ جوهر دوداييف كانَ دليلاً على أنَّ جرحَ القومياتِ ما زالَ نازفاً، وأنَّ الاتحادَ الجديدَ كان على شَفا الانهيارِ لولا جهودُ قادةٍ لاحقين. إنَّ هذهِ السنينَ التي امتدت من 1990 إلى 2010 لم تكن سوى مُقدِّمةٍ عاصفةٍ، فصلٌ تالٍ من كتابِ التحولاتِ العظمى، الذي ما زالت فصولُهُ تُكتبُ بـ مِدادِ الدمِ والأملِ في سجلِ الوعيِ الإنسانيِّ والروحِ الحرة.
بوتان زيباري
السويد
08.11.2025

