نداء الوجدان: حين ينسج المصير خيوطه بين إمرالي وشرق الفرات – بوتان زيباري

 

في محراب الوعي الإنساني وفسحة الروح الحرة، تتجلى ملحمة المصير الكورديّ، خيوطها تتماوج بين أسوار إمرالي الصمّاء ووهج الفرات في الشمال السوريّ. لقد ارتفع منبر دهوك، في منتدى السلام والأمن، كشاهدٍ على فجرٍ جديدٍ يُزيح غبار الجمود، حيث تلاقت الأضداد وتكسّرت حواجز القطيعة السياسية بين إقليم كوردستان والإدارة الذاتية، في مشهدٍ لم يكن ليتسنّى لولا تأثيرات سكون مسار إمرالي وتفاعلاته العميقة مع قضية دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في نسيج النظام السوريّ القادم. إنها لغة المصالح الكبرى التي تُعيد تشكيل الخرائط، وتُظهر أن أي انفراجة وجودية في الشمال السوريّ هي المرآة التي تُحدد مصير الحوار الكورديّ في تركيا.

إن المأزق الوجودي الحالي يكمن في معادلة متداخلة: أنقرة تترقّب حصادها من شرقيّ الفرات قبل أن تجني ثماراً داخلية، فتُبطئ خطى المسار الداخليّ – مسار القضية الكوردية – وتُحيله إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر السياسية والانتخابية. تتراءى الرؤية كـخارطة طريق معكوسة، حيث يبدأ الحل من الشام لا من ديار بكر. بينما يتبدّى موقف حزب الحركة القومية (MHP) برؤية مختلفة، تقودها الغريزة الدولتية (Reflex) القومية العميقة، فتُسرّع الخطى نحو حليفهم الساكن في جزيرة إمرالي، ليس من باب التناغم الحزبيّ، بل من منطلق حماية جبهة الوطن الداخلية وتأمينها، قبل أن تتفاقم التهديدات الإقليمية. فـالهاجس السوريّ هو المحرك الرئيس، والخوف من سيناريو “غزوة إسرائيل” للكورد، هو ما يدفع باتجاه تحصين الجبهة عبر شراكة استراتيجية مع إمرالي، الذي يُنظر إليه – في هذا السياق – كـالصمام الأخير في وجه مشروع “غزْوَنة” الكورد ودمجهم في أجندة إقليمية لا تخدم تطلعاتهم الوجودية.

من هذا المنبر، يصدح صوت الإدارة الذاتية وأركان القيادة الكوردية بنداءٍ عميقٍ، يُطالب فيه بفرصة للحل السياسيّ ذاتها التي مُنحت للآخرين في الشام، مؤكداً أن هدفهم ليس الحرب بل الحوار، وأن اتفاق العاشر من آذار ليس خطّة تصفية بل أساس إدماج يُبقي على جوهر الإرادة السياسية الكوردية ضمن هيكل الجيش السوريّ الجديد. هذا الاتفاق، الذي رُوعيت فيه مصالح الأطراف الكبرى، يبقى نغماً شاردًا في سيمفونية الحل، تُعطّله حسابات أنقرة المعقّدة وتردّدات دمشق التي لا تملك قرارها الأخير. هنا تكمن مفارقة الوجود؛ فبينما يرى البعض في دمج قسد فرصة لـ**“النسبة الذهبية”** التي تحقق أمن الجميع، يرى الكورد في الأمر تثبيتاً لهويتهم وكيانهم ضمن نظام لا مركزيّ يرفض الاستبداد المركزيّ الذي جرّ البلاد إلى الخراب. فـالصراع ليس على الكرسيّ، بل على حقّ الشعوب في تقرير مصيرها ضمن حدود وطنٍ موحّد، يحمل في طيّاته تعدّد الألوان وإيقاع الحياة الحرّة.

بوتان زيباري

السويد