من يتابع التاريخ الطويل للعلاقة بين بريطانيا والكورد يدرك أن الأمر يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية أو اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى. المواقف البريطانية المتقلّبة — من الوعود إلى الإحباط، ومن الدعم الحذر إلى العرقلة الصامتة — ليست مجرد ردود فعل ظرفية، بل تعكس رؤية عميقة تشكّلت عبر قرون طويلة. فبينما يحصر بعض المراقبين السياسة البريطانية ضمن إطار المصالح الاستراتيجية، تكشف قراءة متأنية عن طبقة خفية من التفكير السياسي، تشبه “الذاكرة التاريخية” لدى الإمبراطوريات، ذاكرة لا تُسجّل في الوثائق الرسمية بقدر ما تُختزن في العقل الاستراتيجي الجمعي، وتدرك أن بعض الشعوب تحمل قوة كامنة — سياسية، ثقافية، ونفسية — قادرة على قلب التوازنات إذا ما أُتيحت لها الفرصة . ومن هنا يظهر السؤال الجوهري : لماذا تظهر بريطانيا — أكثر من غيرها — حساسية واضحة تجاه أي نهضة كوردية أو محاولة لقيام دولة كوردية مستقلة ؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من العودة إلى جذور الصورة التي شكّلها الغرب عن الكورد، والتي لا تبدأ من سايكس–بيكو بل تمتد إلى زمن صلاح الدين الأيوبي وتظهر في الدراسات الأنثروبولوجية البريطانية ، وتتجسد في التجارب الحديثة للكورد في محاربة داعش. هذه الرؤية التاريخية تضع الأساس لفهم القلق البريطاني المستمر عبر الزمن، وهو حاضر في كل قرار مؤثر، ويشرح الحذر المتواصل تجاه أي تحرك كوردّي مستقل.
صلاح الدين الأيوبي يمثل البداية غير المعلنة لهذا القلق، فقد في نظر الغرب، وبريطانيا خصوصاً، إلى شخصيته ليس فقط كقائد عسكري بل كرمز لشعب قادر على القيادة والتأثير خارج أطر الإمبراطوريات التقليدية ، شخصية فرضت احترامها على الخصم قبل الصديق، وأعطت للأمة الكوردية بصمة تاريخية لا يمكن تجاهلها . ومن هنا يمكن فهم القلق البريطاني من أي تحرك كوردي مستقل في المستقبل ، فالتاريخ يوضح أن القدرة على القيادة قد تترجم إلى قوة سياسية لاحقاً .
تاريخ الكورد ليس مجرد رواية محلية بل امتداد لحضارات عميقة الجذور ، دراسات عديدة — بعضها بريطاني — تناولت جبل جودي كموقع لرسو سفينة نوح وربطت بين جغرافيا المنطقة والشعوب التي سكنتها، ومن ضمنها الكورد. هذا الامتداد التاريخي العميق يعطي الانطباع بأن الكورد ليسوا شعباً طارئاً ، بل جزء أصيل من جذور الشرق القديم، ما جعل فكرة تهميشهم أو احتوائهم مهمة صعبة في العقل الغربي . وبالتالي، يظهر أن التاريخ والذاكرة الاستراتيجية يتداخلان في تشكيل سياسات بريطانيا تجاه الكورد .
عندما دخل البريطانيون المنطقة في بدايات القرن العشرين، لم يأتوا بعيون فارغة ، بل كانوا مجهزين بكم هائل من الدراسات الأنثروبولوجية التي تناولت تكوينهم الاجتماعي ، قوتهم القتالية ، استقلاليتهم النفسية ، قدرتهم على المقاومة ومرونتهم في الجبال . هذه الدراسات جعلت الكورد يُنظر إليهم كشعب يصعب إخضاعه ، وإذا مُنح دولة، فقد يتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة . وهكذا ، أصبحت “الدولة الكوردية” بالنسبة لبريطانيا عامل اضطراب محتمل في الخريطة التي صممت بعد الحرب العالمية الأولى لضمان توازن يخدم مصالحها ، وهو رابط واضح بين المعرفة التاريخية والتقييم الاستراتيجي للمخاطر المحتملة .
حين واجه الكورد تنظيم داعش، ظهر مجدداً ما كان الغرب يعرفه منذ عقود: صلابة الكورد في القتال، التنظيم، القدرة على الحشد والدفاع عن الوجود، وهو ما أعاد القلق القديم إلى الواجهة. ورغم ذلك، فإن خصائصهم الفريدة تجعلهم في الوقت نفسه شركاء محتملين للأمن والاستقرار طالما أُعطوا حقوقهم المشروعة وحُترمت مصالحهم. استقلاليتهم النفسية، ووعيهم السياسي، وحفاظهم على هويتهم الثقافية تجعلهم أكثر ميلاً للتعاون البناء مع الدول والمنظمات، بدل السعي للفوضى أو التخريب، ما يحوّل قوتهم من تهديد محتمل إلى فرصة للاستقرار الإقليمي إذا أُديرت بحكمة .
بريطانيا لا تعادي الكورد علناً ، ولا ترفض حقوقهم مباشرة، لكنها تتحرك باستمرار لمنع نشوء دولة كوردية مستقلة. ليس بدافع أيديولوجي بل نتيجة قناعة راسخة عبر قرون: الدولة الكوردية، إذا قامت ستكون قوية ، مؤثرة ، ومستقرة نسبياً ، وقادرة على تغيير التوازنات التي تستفيد منها لندن . إنه الخوف من القوة المحتملة، لا العداء للشعب، وهو ما يفسر الحذر البريطاني المستمر تجاه أي مشروع كوردي مستقل .
2 Comments on “الكورد في الذاكرة البريطانية خوف قديم من أمة لا تُهزم / د.سوزان ئاميدي”
Comments are closed.


الأستاذة د.سوزان ئاميدي المحترمة.
تحية.
تحليلك الذاتي للسياسة البريطانية ازاء الشعب الكردي وموطنه كردستان صحيح. سردت نقاط القوة للشعب الكردي ولكن بدون التطرق الى نقاط الضعف، ألا وهي العقلية الكردستانية السائدة (خه يالي خاوي كورده واري) وعمالة رؤساء العشائر الكردية للأنظمة التي تحكم كردستان وذلك بدليل تاريخ العراق الحديث. ولكن التحليل الموضوعي هو ممارسة سياسة فرّق تَسُد العالمية والتاريخية وذلك بدليل الأوضاع في بلاد ما بين النهرين، العراق، وبلاد الشام، سوريا ولبنان كمثال. توجد مقولة أظن تنسب الى الزعيم الروحي الهندي مهاتما غاندي مفادها: اذا تقاتلت سمكتان في البحر فلا بد لبريطانيا دور فيها. استخدام كلمة البحر مهم اذ يدل على عظمتها في القوة البحرية الّتي مكّنتها السيطرة على حوالي رُبع الى ثُلث دول العالَم ونفوسها. ترسيم الحدود الدولية المصطنعة كان لتأمين تصدير النفط الى أوربا. أي مصلحة بريطانيا وكنايتها في العراق هي “أبو ناجي” على غرار “العم سام” لأمريكا، هي الهدف وان كانت على حساب الشعوب.
محمد توفيق علي
بريطانيا لا تخشى اي شعب في العالم بقدر ما تهمها عقد مصالح تجارية معها. وأما قصة انتقام بريطانيا من الكورد بسبب صلاح الدين الأيوبي فقد أصبحت أسطوانة مشروخة الى درجة ان بعض اعداء الكورد من المناهضين لاستقلالهم ايضا يروجونها بين الكورد لزرع الاحباط لديهم بالادعاء ان بريطانيا لن تسمح لهم ابدا بتاسيس دولتهم المستقلة بسبب صلاح الدين الأيوبي، الذي انتزع منهم قبل الف سنة (؟؟) القدس، ثم عقد معهم هدنة سلام وانتهى الأمر بحكايات وقصص إعجاب الملك البريطاني ريتشارد قلب الاسد بشجاعة وكرم صلاح الدين. نعم صحيح ان بريطانيا كانت لها دور تاريخي سلبي في حياة شعوب عديدة في العالم مقسمة اليوم بين دولتين او اكثر مثل كشمير بين الهند وباكستان، والبلوش بين إيران وباكستان على سبيل المثال، فهل تخشى بريطانية من الكشميريين والبلوش لذلك تعمل على عدم استقلالهم؟؟ كيف يمكن التصديق ان بإمكان بريطانيا اليوم توحيد أرض كوردستان المجزئة دون أن تثير حفيظة الدول الاربعة المحتلة لها بينها دول كبيرة مثل إيران وتركيا؟ هذه المقالة لا تصلح سوى لطلاب المتوسطة لاثارة عواطفهم القومية ونفخ الهواء الحار في صدورهم.