كل مرة يعلن فيها الجولاني عن جولة حوار مع قسد، تُتبع بتصعيد مباشر منه ضد العلويين أو الدروز. على قسد وقف المفاوضات لحين ايقاف المجازر في سوريا

في ظل التطورات المتسارعة على الأرض السورية، يُعاد تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية بطرق مقلقة، لا تعكس فقط صراعًا عسكريًا أو جغرافيًا، بل تُجسّد أزمة وجودية تهدد نسيج المجتمع السوري بأكمله. وفي قلب هذه الأزمة تقف حكومة “الشرع” التابعة لهيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني، التي لم تعد مجرد كيان مسلح، بل أصبحت تُمارس سلطة حكم حقيقية في مناطق واسعة من شمال غرب سوريا، وتُكرّس مشروعًا طائفيًا متطرفًا تحت شعارات “الإسلام” و”الشريعة”، بينما تُواصل ارتكاب جرائم ضد المدنيين، خصوصًا ضد المكون العلوي في الساحل السوري ومناطق تواجدهم.

1. تصاعد الجرائم الطائفية ضد العلويين: خطاب ديني، وممارسة همجية

لم يعد خافيًا أن حكومة الجولاني قد تحوّلت إلى أداة لفرض هيمنة السلفية الجهادية المتطرفة، لا كحركة مقاومة، بل كنظام استبدادي يُعيد إنتاج منطق الطائفية الذي كان النظام الأسدي يستخدمه ضد الآخرين، لكنه الآن يُطبّقه بعكس الاتجاه.

في الأسابيع الأخيرة، ازدادت الهجمات العسكرية والمضايقات ضد القرى والبلدات العلوية في ريف اللاذقية الشمالي (مثل كسب، الحدث، والقرى المحيطة)، حيث تم:

  • تدمير منازل بالكامل.
  • قتل مدنيين، بينهم نساء وأطفال.
  • تهجير قسري لعائلات بأكملها.
  • منع دفن الموتى وفق الطقوس العلوية.
  • تفجير مزارات دينية.

والأمر الأكثر إثارة للريبة هو أن الحكومة “الشرعية” للجولاني تبرر هذه الجرائم بادّعاء أن:

“العلويين يؤيدون الأسد ويقومون بمهاجمة القوات الإسلامية”.

وهذا الادعاء لا يمكن تقبّله منطقيًا ولا عمليًا، خاصةً مع مشاهد متظاهرين علويين سلميين يُرشقون بالغاز المسيل للدموع من قبل شرطة الجولاني، ثم يتم تقديم ذلك على أنه “هجوم من العلويين”. إن هذا النمط من التضليل الإعلامي يُشبه تمامًا أساليب الأنظمة القمعية، حيث يُصنع “العدو الداخلي” ليُبرر القتل والتطهير.

2. أستمرار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والإدارة الذاتية في مفاوضاتهم مع الجولاني: سياسة الحياد أم التنازل عن المبدأ؟

في مقابل هذه المجازر، فإن موقف الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) يُثير تساؤلات جوهرية حول أولوياتها الاستراتيجية.

بينما خرجت التجمعات الدرزية في السويداء والمجموعات السوريداوية (الآشورية) في مظاهرات واضحة دعماً للعلويين، وطالبت بـ:

  • وقف الإبادة الطائفية.
  • حماية جميع المكونات.
  • دعم حق تقرير المصير لكل المجموعات.

نرى أن الإدارة الذاتية لم تتجاوز حدود “التنديد و الاستنكار”. لم تصدر سوى بيانات رسمية و لتكن بأشد العبارات، ولم تُجرِ أي تحركات شعبية أو سياسية داعمة للعلويين، رغم أنهم:

  • ليسوا أعداءً لها.
  • تعرضوا للاستهداف من نفس الكيان الذي يهدد الكورد بأنفسهم.
  • يعيش بعضهم في مناطق قريبة من مناطق نفوذ قسد.

لماذا هذا الموقف الضعيف؟

السبب معروف:
الإدارة الذاتية تُجري محادثات غير مباشرة مع حكومة الجولاني، تهدف إلى:

  • تخفيف التوتر على خطوط التماس.
  • تأمين اتفاقات تهدئة.
  • تجنّب مواجهة عسكرية شاملة.

لكن الثمن الباهظ لهذا الحوار هو التغاضي عن المجازر الطائفية، وتقديم مصلحة “الاستقرار المؤقت” على حساب العدالة، والتضامن القومي، والمبادئ الإنسانية.

3. استراتيجية الجولاني: استخدام المفاوضات كدرع وتمويه

ما يكشف زيف هذه “المفاوضات” هو أن كل مرة تُعلن فيها قسد عن جولة حوار مع الجولاني، تُتبع بتصعيد مباشر ضد العلويين أو الدروز.

هذه ليست صدفة، بل استراتيجية ممنهجة:

  • إضعاف المكونات غير السنية  العربية(كورد, علويين، دروز، مسيحيين).
  • توسيع النفوذ الجغرافي تحت غطاء “الجهاد”.
  • فرض وقائع جديدة على الأرض أثناء انغماس الطرف الآخر في المفاوضات.
  • استغلال حاجة قسد إلى الحوار لفرض شروطها، مثل منع التحركات الكردية في إدلب أو حلب.

بل أكثر من ذلك، فإن الجولاني لا يعترف:

  • بالكورد كقومية.
  • بالإدارة الذاتية ككيان سياسي.
  • بوجود “شمال شرق سوريا” كمنطقة مميزة.

وهو يريد فرض المركزية الإدارية والدينية على كامل سوريا، وهو ما يُعادل نسخة سلفية من نموذج البعث الأسدي، لكنها أبشع لأنه يستخدم الدين كوسيلة للقمع، وليس القومية.

4. المفارقة الكبرى: الدروز يدعمون العلويين… و قسد مستمرة في مفاوضاتها مع القاتل الذي يتحايل على قسد ايضا

في مشهد يُثير الألم والدهشة، نرى أن الدروز في السويداء، الذين عانوا من التهميش والاستهداف، يخرجون في مظاهرات دعماً للعلويين، ويرفعون شعارات:

“السويداء مع الساحل… الشعب واحد”.

بينما تبقى الإدارة الذاتية صامتة، أو تكتفي بالدعوة إلى “ضبط النفس”، رغم أن:

  • الجولاني يخطف الكورد .
  • يهاجم الأحياء الكردية في حلب الغربية.
  • يمنع العلم الكردي، ويُحلّ محله براية “الخلافة”.

هل يمكن لشعبٍ يطالب بالحرية أن يصمت على إبادة شعب آخر؟
هل يمكن للمفاوضات أن تكون مبررًا للتخلّي عن الأخلاق؟

5. مستقبل التعايش في سوريا: هل لا يزال ممكنًا؟

الخطر الأكبر اليوم ليس فقط في الجرائم التي تُرتكب، بل في تطبيع فكرة أن “المكونات غير السنية يجب أن تُزال أو تُخضع”.

إذا استمرت قسد في اعتماد سياسة “الحياد” أمام هذه الجرائم، فإنها:

  • تُضعف موقفها كحامي للتنوع.
  • تُعطي شرعية ضمنية للجولاني.
  • تُعرض نفسها للانهيار عندما يأتي دورها في قائمة “غير المسلمين الحقيقيين”.
6. توصيات استراتيجية للإدارة الذاتية
  1. إنهاء سياسة الصمت: يجب إصدار موقف واضح وقوي ضد الإبادة الطائفية، ودعم حق العلويين في الحياة والكرامة.
  2. بناء جبهة مدنية وطنية: العمل على توحيد المكونات المستهدفة (كورد، علويين، دروز، مسيحيين، عرب علمانيين) في إطار وطني ديمقراطي.
  3. وقف المفاوضات الفارغة مع الجولاني: إذا لم تكن هناك نتائج حقيقية (كالاعتراف بالتنوع، ووقف القتل)، فهي مجرد أداة لتمكين العدو.
  4. تعزيز التعاون الشعبي: تنظيم فعاليات تضامنية مع العلويين، وإطلاق حملات توعية ضد الطائفية.
  5. ربط القضية بالمجتمع الدولي: تقديم أدلة على جرائم الحرب إلى المحاكم الدولية، وطلب حماية المكونات المهددة.
الخلاصة: لا يمكن بناء حرية على أنقاض الآخر

الجولاني لا يريد حلًا سياسيًا، بل يريد إمبراطورية دينية طائفية، يُكتب فيها التاريخ من جديد، ويُمحى فيه كل من لا يؤمن بمنهجهم المتطرف.

أما الإدارة الذاتية، فتقف على مفترق طرق:
هل ستكون قوة تحرر، أم مجرد إدارة تفاوض على بقاء مؤقت على حساب الدماء؟

إن دعم العلويين ليس “تضامنًا اختياريًا”، بل هو ضرورة وجودية. لأن من يقتل العلويين اليوم، سيأتي غدًا ليطالب الكورد بالخضوع أو القتل.

ومن يصمت اليوم، لن يكون له صوت غدًا.

الحرية لا تُبنى على الصمت أمام القتل. والسلام لا يُصنع بالمفاوضات مع القتلة على جثث الأبرياء.