ترنيمة الحرية في مهبّ العواصف: ملاحم الروح وسراب الخرائط – بوتان زيباري

في لجة التحولات الكبرى التي تعصف بجسد الأرض السورية، وتحديداً عند تخوم “حلب” الشهباء التي ما زالت تقاوم الصقيع والنسيان، يبرز السؤال الوجودي العميق: هل أزفت ساعة السقوط؟ أم أننا أمام فصول جديدة من مأساة مستمرة؟ إنّ ما نراه اليوم من تحركات تركية لا يمكن وصفه في منطق السياسة والسيادة إلا بأنه “استفزاز للروح”، وتدخل سافر في شؤون بيتٍ لا يزال أهله يبحثون عن مفاتيح أبوابه. هذا التمدد الغريب لا يثير حفيظة “قوات سوريا الديمقراطية” فحسب، بل يوقظ في وجدان كل حرٍّ رفضاً قاطعاً لمحاولات الوصاية، خاصة حين تتحول القوى الإقليمية إلى “شريك” في نزيف الدم بدلاً من أن تكون بلسماً للجراح. إن العلاقة بين هذه القوى وبين جسد الشعب السوري تبدو اليوم مستعصية على “الاندماج”، فكيف يندمج السيف مع الغمد إذا كان السيف غريباً ومسلطاً على الأعناق؟

إن المشهد العسكري اليوم ليس مجرد صراع أرقام، بل هو صراع “إرادات وتنظيم”. فمن يمتلك العقيدة الراسخة والتنظيم المحكم، كقوات “قسد”، يجد نفسه في مواجهة مجموعات هجينة جُمعت من شتات الأرض، تفتقر إلى الانسجام وتغرق في وحل الخلافات الفصائلية. وهنا تبرز الحقيقة الإنسانية الساطعة؛ إذ تجد “الأقليات” – بتنوعها الثقافي والروحي – نفسها في خندق واحد مع تلك القوى التي تؤمن بالتعددية، ليس حباً في الحرب، بل دفاعاً عن حق البقاء. إنهم يدركون أن مصيرهم واحد في وجه إعصار يهدد باقتلاع الجميع، مما يجعل الانسجام بينهم نابعاً من وحدة المصير لا من مجرد تكتيك سياسي عابر.

أما في غرف القرار المظلمة، فإن الاتفاقات الدولية التي نُسجت بدم الحبر يبدو أنها بلغت “خريف العمر”. إن الرهان على انكسار روح المقاومة لدى السوريين الأحرار هو رهان خاسر، خاصة وأن القوى الدولية، وفي مقدمتها واشنطن، تدرك أن الثقة تُبنى بالوفاء لا بالغدر. وبينما يتسابق الطامعون للسيطرة على “ثروات البادية” والكنوز المخبوءة في ريف حمص، تطل برأسها مخاوف “التقسيم” المشؤوم. إنها ليست مجرد فيدراليات إدارية، بل هي محاولة لتفتيت العباد وتقسيم البلاد لإرضاء شهية المصالح التي تزن الروح السورية ببراميل النفط وتريليونات الثروات. إن الصراع القادم، إن اشتعلت نيرانه الكبرى، لن يحرق الجبهات فحسب، بل قد يغير خارطة الوجود في المنطقة إلى الأبد.

وفي سياق هذا التلاعب بمصائر الشعوب، يبرز شبح “داعش” كذريعة جاهزة يُشهرها الطامعون كلما أرادوا بسط نفوذهم على نقطة استراتيجية. إنها المسرحية الكبرى التي تُستخدم لمعاقبة المخالفين وذر الرماد في العيون، بينما الحقيقة تقول إن هذا الفكر المتطرف هو “الوجه الآخر” لذات العملة التي تقتات على دماء الأبرياء. كيف نتحدث عن محاربة الإرهاب وأباطرة الدم يتحركون تحت جنح الظلام، ويتغلغلون في مفاصل المؤسسات؟ إن التنازل عن الأرض، كما جرى في فضيحة الجولان السوري المحتل ومحو هويته من الخرائط، هو الطعنة الكبرى في خاصرة الشعب السوري، وكأن حفنة من المرتزقة تبيع إرث الأجداد في مزاد النخاسة الدولية.

أما الساحل السوري، ذلك الملاذ الوجداني الذي يرفض الانكسار، فإنه اليوم “قنبلة موقوتة” من الكرامة. إن صمت الجبال هناك ليس خنوعاً، بل هو ترقب حذر. فبينما يرفض أهل الساحل الانجرار إلى حروب عبثية، يؤكدون بصوت الشيخ “غزال غزال” وأمثاله أنهم لن يقبلوا بالعيش تحت وطأة الإرهاب المنظم. إن تجربة “السمندر” ليست إلا غيضاً من فيض؛ فعشرات الآلاف من أبناء الساحل، بخبرتهم العسكرية وكرامتهم المتجذرة، مستعدون لحماية شرفهم إن فُرضت عليهم المواجهة. إنهم يبحثون عن حل دولي ينصف إنسانيتهم، لا عن معارك تزيد من يتم الأطفال وثكل الأمهات، بعيداً عن أي تدخلات إيرانية أو إقليمية تحاول ركوب موجة وجعهم.

إننا نعيش اليوم زمن “الخيانات الكبرى” والتنازلات السرية التي تُوقّع خلف ظهور الشعوب. إن الجولاني، الذي يحاول الرقص على حبال متناقضة بين أنقرة وواشنطن، يجد نفسه محاصراً بتبعات قراراته التي لم تجلب للسوريين سوى الويل. وبينما تتصارع القوى الكبرى، من روسيا التي ترسل رسائلها بالنار، إلى بريطانيا التي تصنف الفصائل على قوائم الإرهاب، يظل الشعب السوري هو القربان الوحيد على مذبح هذه المصالح. إن الخلاص لن يكون إلا بسقوط عقلية القمع والارتهان، وعودة سوريا إلى حضن أبنائها، حيث يتصافح الصوفي مع الدرزي والعلوي والكردي في حكومة وحدة وطنية حقيقية، تقتلع فكر “ابن تيمية” المتطرف الذي سجن الروح السورية في زنزانة التكفير لقرون، ليعود فجر الحرية يشرق من جديد على “شام” ترفض أن تموت.

بوتان زيباري

السويد