تشير دراسة السلوك السياسي في المجتمعات التي لم تنجح في بناء دولة قومية مستقلة إلى ظهور أنماط متكررة من التفاعل السياسي، من أبرزها تصاعد الصراعات الداخلية بالتوازي مع الاعتماد المتزايد على القوى الخارجية. ويمكن ملاحظة هذا النمط في التجربة السياسية الكوردية المعاصرة، حيث يتزامن التنافس الداخلي بين الفاعلين السياسيين مع ميل واضح إلى البحث عن الشرعية أو الدعم خارج المجال السياسي الكوردي. فقد كثرت فی الآونة الأخيرة مقالات إعلامية و مقابلات تلفزیونیة ومناقشات علی شبكات التواصل الإجتماعي، مبادرات من السیاسیین الكورد – عن جهل ثقافی أو حقد دفين أو درایة و تكلیف متعمد وفق عمليات غسل الدماغ الكوردی و الحرب النفسیة المتزايدة ضد الكورد وكوردستان – خاصة بعد التكاتف الجماهیری الجماعی المنقطع النظير فی تضامنه مع نموذج روژئاڤا فی أزمته الحالیة، و هو صاحب لقب“عابر الأزمات” والحمد لله.
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن السياق التاريخي. فالحركة السياسية الكوردية تطورت ضمن أطر دول متعددة، لكل منها نظامها السياسي وأولوياتها الأمنية، الأمر الذي أدى إلى تباين في الخبرات السياسية والمؤسساتية للأحزاب والتنظيمات الكوردية. هذا التباين ساهم في إضعاف إمكانية تشكل مركز سياسي موحد، وعزز بدلاً من ذلك أنماطاً من التنافس على التمثيل والشرعية.
من منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن تفسير حدة الصراع الداخلي من خلال مفهوم “تنافس النخب داخل المجال المحدود”. فحين يكون المجال الإجتماعي ضيقاً ومجزأً، تصبح المنافسة على الدعم النفسی و الموارد الرمزية والمادية أكثر شدة بين الفاعلين المتقاربين نفسیا أو أيديولوجياً أو اجتماعياً. وبهذا المعنى، يصبح “القريب السياسي” منافساً مباشراً، بينما يتحول “الفاعل الخارجي” إلى مصدر محتمل للدعم أو التحكيم، وهنا ينطبق قول الشاعر طرفة بن العبد “”وظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً عَلى المَرءِ من وَقعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ”.
كما يلعب غياب المؤسسات السياسية الجامعة دوراً مركزياً في إعادة إنتاج هذه الديناميكية. فالمؤسسات القادرة على تنظيم الخلاف وتحويله إلى تنافس سياسي مشروع تعد شرطاً أساسياً للاستقرار السياسي. وفي غيابها، يتحول الخلاف إلى صراع صفري، وتصبح العلاقات مع القوى الخارجية بديلاً غير مباشر عن آليات التنظيم الداخلي.
إضافة إلى ذلك، يمكن النظر إلى “الافتخار بالعلاقات الخارجية” بوصفه تعبيرا عن الدونية و الشعور بالنقص، أو شكلاً من أشكال التعويض السياسي الرمزي. ففي الحالات التي يواجه فيها الفاعلون السياسيون صعوبة في تحقيق الاعتراف الداخلي، قد يتم البحث عن الاعتراف الدولي بوصفه مصدراً بديلاً للشرعية. غير أن هذا النمط يعمّق الاعتماد البنيوي على الخارج، ويؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة الشك المتبادل بين القوى السياسية المحلية، الأمر الذی يسهل علی أعداء الكورد وكوردستان میلهم إلی إستغلال الكورد وتحريضهم ضد بعضهم البعض وفق سياسة “فرق تسد” السیئة الصيت.
تؤدي هذه الحلقة المغلقة — الصراع الداخلي والاعتماد الخارجي — إلى إضعاف القدرة على بناء مشروع سياسي طويل الأمد. فالقوى الخارجية تتعامل عادة وفق اعتبارات المصلحة الاستراتيجية، وهي اعتبارات متغيرة بطبيعتها، في حين أن الاستقرار السياسي يتطلب درجة عالية من التوافق الداخلي والمؤسسي، وهو ما تفتقده السياسة الكوردیة عموما”.
إن تجاوز هذه الإشكالية يتطلب الانتقال من منطق الشرعية التنافسية إلى منطق الشرعية التوافقية، أي بناء قواعد مشتركة لإدارة الخلاف السياسي داخل المجتمع الكوردي. كما يتطلب إعادة تعريف العلاقة مع الخارج بوصفها أداة ضمن استراتيجية سياسية داخلية، لا بديلاً عنها. في هذا الإطار، يمكن القول إن التحدي الأساسي أمام السياسة الكوردية لا يتمثل فقط في الظروف الجيوسياسية المحيطة، بل في القدرة على تطوير بنية سياسية داخلية قادرة على استيعاب التعددية دون تحويلها إلى انقسام دائم. فبناء التوافق الداخلي يظل الشرط الأكثر استقراراً لأي مشروع سياسي، بغض النظر عن طبيعة الدعم الخارجي أو حدوده.
١٨\٢\٢٠٢٦

