العزف على جميع الأوتار- محمد ديب أحمد 

كيف تعلّمت السياسة الكردستانية العيش بين الصقور والحمام … دون أن تتوقف الموسيقى
في الشرق الأوسط ، لا تعيش الحركات السياسية طويلاً لأنها تمتلك الحقيقة ،
بل لأنها تتقن البقاء .
والبقاء هنا ليس سلاحاً فقط ، ولا شعارات ، بل قدرة على السير فوق حقل ألغام سياسي دون أن ينفجر المشهد بالكامل .
في هذه الجغرافيا ، لا يكفي أن تكون صقراً كي تنجو ، ولا حمامة كي يُسمح لك بالطيران .
ولهذا ، تعلّمت كثير من الحركات أن الحمام أحياناً يحتاج إلى مخالب ، وأن الصقر قد يختبئ تحت ريش ناعم كي يعبر العاصفة دون أن يُستهدف .
حتى الحمام هنا يطير بحذر… فالسماء نفسها ليست آمنة .
السياسة ليست خطاً مستقيماً ،
 بل موسيقى معقدة .
ومن يعزف على وتر واحد فقط ،
 غالباً ما تنتهي موسيقاه سريعاً .
وهذا ما يفسر كيف تحولت بعض الحركات الكردستانية ، مع الزمن ، من تنظيمات تقليدية إلى منظومات متعددة الوجوه ، تتقن الانتقال بين الثورة والبراغماتية ، وبين خطاب الجبل وغرف التفاوض ، دون أن تنكسر موسيقاها.
في لحظة تتحدث بلغة التاريخ والدم والهوية ،
وفي لحظة أخرى تجلس أمام خرائط المصالح الدولية بربطة عنق هادئة .
تخاطب جمهورها بالعاطفة ،
 لكنها تدير ملفاتها بعقل بارد أقرب لغرف القرار منه لساحات الخطابة .
وهذا ليس ازدواجية بقدر ما هو ضرورة فرضتها جغرافيا لا تمنح رفاهية الثبات .
مرونة لا تعني التخلي عن الهدف ، بل أحياناً تعني تغيير تعريف الهدف نفسه أمام الجمهور دون أن يلاحظ ذلك .
الكرد تاريخياً لم يعيشوا في بيئة مستقرة تسمح بسياسة مستقرة :
أربع دول ، حدود مغلقة ،
 تحالفات متغيرة ، وحروب متكررة ، وخيبات متراكمة .
كل ذلك دفع السياسة الكردستانية إلى تعلم نوع خاص من “المرونة القاسية”.
لهذا ، فإن قراءة الحركات الكردستانية بمنطق الأحزاب التقليدية تبسيط مُخل .
فالحديث عن PKK ، أو عن الحزب الديمقراطي الكردستاني ، أو الاتحاد الوطني الكردستاني ، لا يمكن اختزاله في شعار أو موقف آني .
نحن أمام مدارس سياسية مختلفة في إدارة البقاء الكردستاني ؛
مدارس تتقن العزف على أكثر من وتر :
وتر الثورة
وتر الواقعية
وتر العلاقات الدولية
وتر الخطاب القومي
وأحياناً وتر الصمت نفسه
بعضها يجيد لغة الجبال ، وبعضها لغة العواصم ،
 وبعضها يحاول الجمع بين الاثنين دون إسقاط الصورة أمام جمهوره .
وفي الشرق الأوسط ، هذا ليس ترفاً .
فالمنطقة نفسها قائمة على التناقض : الجميع يتحدث عن السلام وهو يلمّع سلاحه ،
ويرفض التدخل الخارجي وهو يبحث عن مظلة خارجية ،
وينتقد البراغماتية ثم يمارسها بصيغ مختلفة .
وفي منطقتنا ، كثير من الرسائل السياسية تصل بريش الحمام …
 لكن خلفها دائماً عين صقر .
لهذا ، لم يكن أمام كثير من الحركات سوى تعلم “فن النجاة السياسية”:
أن يعرف الصقر متى يخفي مخالبه ،
والحمامة متى تتوقف عن حمل الرسائل وتبدأ بحماية العش .
وهنا يظهر سر بقاء بعض المنظومات رغم الحصار والانقسام والضغط .
فهي لم تعد أحزاباً تقليدية ، بل بنى متعددة الطبقات :
سياسي ، عسكري ،
 إعلامي ، وفكري ، مع مساحات رمادية تسمح بإعادة التموضع دون انهيار .
ولهذا تبدو عصية على الفهم لمن يقرأ السياسة بعقل خطي .
والدولة التقليدية تفكر بمنطق بيروقراطي مباشر ،
بينما المنظومات المرنة تفكر بشكل شبكي : إذا انقطع خيط اهتزت الشبكة لكنها لا تنهار ،
وإذا خفت صوت ظهر آخر ،
وإذا أُغلقت نافذة فُتحت أخرى غير مرئية .
وهنا يظهر الفرق بين العاطفة والعقل السياسي .
فالجماهير تتحرك بالعاطفة : بالغضب ، بالمظلومية ، بالرموز ، بالأغاني ، وبالخطابات .
أما المنظومات ، فتستخدم العاطفة كوقود ، بينما القيادة الحقيقية بيد عقل بارد يحسب :
موازين القوى ، الإقليم ، الممكن ، وحدود التصعيد والتراجع .
فالجماهير تتحرك بالعاطفة كما يتحرك جمهور أمام أوركسترا صاخبة ،
أما المنظومات فتتعامل مع تلك العاطفة كما يتعامل قائد الأوركسترا مع الضجيج :
لا يلغيه… بل يضبط إيقاعه .
ولعل أكبر خطأ في منطقتنا هو الخلط بين صدق العاطفة وصواب القرار .
فليست كل الجماهير الغاضبة تمتلك مشروعاً،
ولا كل الشعارات تصنع مستقبلاً .
وقد دفعت المنطقة ثمن قرارات اتخذت في لحظات انفعال أكثر مما اتخذت بعقل سياسي .
لكن البقاء الطويل لا تصنعه الانفعالات ، بل القدرة على تحويل رد الفعل إلى إدارة للفعل .
ولهذا لم يعد السؤال : من الأكثر ثورية ؟
بل : من الأكثر قدرة على البقاء دون خسارة كل شيء ؟
ففي كردستان ، لم يكن الثبات على وتر واحد خياراً سهلاً .
الجغرافيا القاسية فرضت موسيقى سياسية معقدة ، حيث العزف الخاطئ لا يعني خسارة موقف فقط ,، بل خسارة جغرافيا أو ذاكرة أو توازن كامل.
ومن هنا نفهم كيف تحركت الأحزاب الكردستانية بين التحالفات دون أن تُختزل في خيانة أو ولاء مطلق ، بل في إدارة واقع شديد التعقيد .
السياسة هنا ليست قصيدة عن النقاء ، بل لعبة بقاء طويلة فوق أرض متحركة .
لكن هذا لا يعني أن البراغماتية بلا ثمن .
فالانتقال المستمر بين الأوتار قد يؤدي إلى لحظة يفقد فيها اللحن وضوحه ، ويبدأ الجمهور بالتساؤل :
 هل ما زلنا نسمع الموسيقى نفسها … أم تغيّر العازف؟
وهنا يبدأ أخطر اختبار.
فالمنظومات لا تسقط دائماً بفعل الخصوم، بل أحياناً حين يبدأ جمهورها بسماع النشاز.
وفي منطقة تمتلئ بالخوف والهوية والدم والتحالفات المتقلبة، يبدو أن زمن الحركات البسيطة انتهى.
نحن أمام عصر المنظومات المركبة ؛
تتحرك بين الإعلام والسياسة والأمن والرمز ، وتغيّر نبرتها دون أن تغيّر صورتها بالكامل .
ولهذا ، فإن فهم السياسة الكردستانية اليوم لم يعد ممكناً بالشعارات وحدها .
فخلف كل خطاب صاخب ، هناك عقل هادئ يدير المشهد :
متى يرفع الصوت ، ومتى يخفضه ،
ومتى يرسل الحمام ، ومتى يطلق الصقور .
في النهاية ، لا تنتصر السياسة لمن يعزف جيداً فقط…
بل لمن ينجح في إقناع الآخرين أن تغيير اللحن نفسه كان جزءاً من الموسيقى منذ البداية .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *