دور المخبرين في كشف الفساد: بين الحاجة إلى المعلومة وغياب الإرادة السياسية- جورج منصور

 

تُعدّ ظاهرة الفساد من أكثر الظواهر تعقيداً في الدول التي تعاني من هشاشة مؤسساتها السياسية والإدارية، إذ لا يقتصر تأثيرها على استنزاف الموارد الاقتصادية، بل يمتد ليطال شرعية الدولة وثقة المواطنين بمؤسسات الحكم. وفي إطار الجهود الرامية إلى مكافحة الفساد، تلجأ الحكومات إلى مجموعة من الأدوات القانونية والرقابية، من بينها تفعيل دور المخبرين أو المبلغين عن الفساد بوصفهم مصدراً للمعلومات التي تساعد في كشف المخالفات وملاحقة مرتكبيها.

لقد أعادت الحكومة العراقية في السنوات الأخيرة طرح فكرة تفعيل دور المخبرين في مكافحة الفساد، باعتبارها إحدى الوسائل التي تساعد الأجهزة الرقابية والقضائية على الوصول إلى المتورطين في نهب المال العام واستغلال السلطة. وقد رافق هذا التوجه الإعلان عن تلقي آلاف البلاغات المتعلقة بقضايا الفساد، إلى جانب استرداد مبالغ مالية كبيرة وأصول مملوكة للدولة. غير أن هذا الطرح يثير سؤالاً جوهرياً يتجاوز الجوانب الإجرائية والقانونية: هل يحتاج العراق فعلاً إلى مخبرين لكشف الفساد، أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في مكان آخر، يتعلق بطبيعة النظام السياسي والإداري الذي يسمح باستمرار الفساد رغم وضوحه وعلنيته؟

غير أن هذا التوجه يثير إشكالية نقدية أساسية تتمثل في مدى فاعلية الاعتماد على المخبرين في بيئة سياسية وإدارية يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها بيئة منتجة للفساد نفسه. فهل تكمن مشكلة مكافحة الفساد في نقص المعلومات حول المفسدين، أم في غياب الإرادة السياسية والمؤسساتية القادرة على محاسبتهم؟ وهل يمكن للمخبر أن يؤدي دوراً حاسماً في مواجهة ظاهرة أصبحت معلنة ومكشوفة للرأي العام؟ هذه القراءة تحاول مقاربة هذه الأسئلة من منظور نقدي يربط بين آليات الكشف عن الفساد وبنية النظام السياسي الذي ينتجه.

أولاً: الإطار النظري لدور المخبرين في مكافحة الفساد

تستند فلسفة الإبلاغ عن الفساد إلى افتراض مفاده أن الجرائم المالية والإدارية غالباً ما تُرتكب داخل شبكات مغلقة يصعب الوصول إليها عبر الرقابة التقليدية. ومن ثمّ فإن الأفراد الذين يمتلكون معرفة مباشرة بالمخالفات يشكلون مصدراً مهماً للمعلومات والأدلة. وقد أثبتت تجارب دولية عديدة أن المبلغين عن الفساد لعبوا دوراً محورياً في كشف عمليات احتيال واختلاس واسعة النطاق لم تكن الأجهزة الرقابية قادرة على اكتشافها بمفردها.

وتؤكد الأدبيات المتخصصة في الحوكمة الرشيدة أن فعالية نظام الإبلاغ ترتبط بثلاثة شروط أساسية: حماية المبلغ قانونياً، وضمان استقلال الجهات التي تتلقى البلاغات، ووجود إرادة سياسية لتحويل المعلومات إلى إجراءات قانونية فعلية. وغياب أي من هذه الشروط يؤدي إلى إفراغ نظام الإبلاغ من مضمونه وتحويله إلى أداة رمزية أكثر من كونه وسيلة حقيقية للمساءلة.

ثانياً: خصوصية الحالة العراقية وإشكالية الفساد البنيوي

على الرغم من أهمية المخبرين من الناحية النظرية، فإن تطبيق هذا النموذج في العراق يواجه تحديات ترتبط بطبيعة الفساد السائد. فالفساد في السياق العراقي لا يُنظر إليه بوصفه انحرافاً فردياً محدوداً، بل باعتباره ظاهرة بنيوية متجذرة في بنية النظام السياسي والإداري. وقد ارتبطت هذه الظاهرة منذ عام 2003 بعوامل متعددة، من أبرزها المحاصصة السياسية، وضعف الرقابة المؤسسية، وتداخل المصالح الحزبية مع مؤسسات الدولة.

في هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري: إذا كانت تقارير هيئات الرقابة، ووسائل الإعلام، واللجان البرلمانية، وحتى التصريحات الحكومية، تتحدث بصورة متكررة عن وجود الفساد ومظاهره، فما القيمة المضافة التي يقدمها المخبر؟ إن هذا السؤال لا ينطلق من رفض دور الإبلاغ، وإنما من التشكيك في الافتراض القائل بأن المشكلة الأساسية تكمن في نقص المعلومات.

فالواقع يشير إلى أن العديد من ملفات الفساد الكبرى كانت معروفة ومتداولة قبل سنوات من تحريكها قضائياً، وبعضها لم يُحرك أصلاً رغم توفر معطيات كافية بشأنه. وعليه فإن العائق الحقيقي لا يبدو معرفياً بقدر ما هو سياسي ومؤسساتي. بمعنى آخر، ليست المشكلة في اكتشاف الفساد، وإنما في اتخاذ القرار بمواجهته.

ثالثاً: من أزمة المعلومات إلى أزمة الإرادة السياسية

تميل الخطابات الرسمية المتعلقة بمكافحة الفساد إلى التركيز على أدوات الكشف والتبليغ باعتبارها مدخلاً رئيسياً للإصلاح. غير أن هذا التركيز قد يؤدي إلى إزاحة النقاش بعيداً عن المسألة الأكثر جوهرية، وهي مدى استعداد النخب الحاكمة لمحاسبة الفاعلين المتورطين في الفساد عندما يكونون جزءاً من شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي.

ففي النظم الديمقراطية المستقرة، يؤدي الكشف عن المخالفات غالباً إلى سلسلة من الإجراءات المؤسسية التي تبدأ بالتحقيق وتنتهي بالمحاسبة. أما في البيئات التي تعاني من ضعف استقلال القضاء أو من تغلغل النفوذ الحزبي في أجهزة الدولة، فإن المعلومات قد لا تتحول بالضرورة إلى أحكام أو إصلاحات فعلية. وهنا تتجلى المفارقة الأساسية: وفرة المعلومات لا تؤدي تلقائياً إلى مكافحة الفساد إذا كانت المؤسسات المعنية غير قادرة أو غير راغبة في توظيف تلك المعلومات.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى المخبر باعتباره عنصراً مساعداً في عملية المكافحة، لكنه ليس الفاعل الحاسم فيها. فالمخبر قد يكشف الواقعة، لكنه لا يملك سلطة المحاسبة. كما أن نجاح جهوده يبقى رهناً بمدى استقلالية الجهات التي تتعامل مع بلاغاته.

رابعاً: الحوافز المالية وإشكالية التوظيف السياسي

تثير سياسة منح المكافآت للمخبرين نقاشاً أكاديمياً وأخلاقياً واسعاً. فمن ناحية، يمكن اعتبار الحوافز المالية أداة فعالة لتشجيع المواطنين على التعاون مع الجهات المختصة، خاصة في البيئات التي تنطوي فيها عملية الإبلاغ على مخاطر شخصية ومهنية. ومن ناحية أخرى، قد يؤدي هذا الأسلوب إلى تحويل الإبلاغ من واجب مدني إلى نشاط تحكمه الاعتبارات المادية.

كما أن غياب الضمانات المؤسسية قد يفتح المجال أمام استخدام البلاغات لأغراض سياسية أو شخصية، خصوصاً في المجتمعات التي تشهد استقطاباً سياسياً حاداً. ولذلك فإن نجاح نظام المكافآت يتطلب وجود منظومة دقيقة للتحقق من المعلومات وضمان عدم استغلالها في تصفية الخصومات أو تحقيق مكاسب فردية.

خامساً: حدود دور المخبرين في مواجهة الفساد البنيوي

تكشف التجارب المقارنة أن المخبرين يكونون أكثر فاعلية عندما يتعلق الأمر بفضح حالات فساد محددة أو شبكات مغلقة يصعب الوصول إليها. أما عندما يتحول الفساد إلى نمط حكم أو آلية لإدارة الموارد والنفوذ، فإن دور المخبر يصبح محدوداً بطبيعته. فالفساد البنيوي لا ينتج عن أفراد معزولين بقدر ما ينتج عن منظومات سياسية وإدارية تسمح بإعادة إنتاجه باستمرار.

وفي الحالة العراقية، لا يبدو أن التحدي الرئيسي يتمثل في اكتشاف الفاسدين، بل في إعادة بناء المؤسسات على أسس الشفافية والمساءلة. فالإصلاح الحقيقي يتطلب استقلال القضاء، وتعزيز الرقابة البرلمانية، وحماية الإعلام الاستقصائي، وتطوير أنظمة الإدارة المالية، وتحصين الوظيفة العامة من التدخلات الحزبية. وبدون هذه الإصلاحات، ستظل البلاغات مجرد جزء من دورة مستمرة لا تنتهي بإزالة الأسباب التي تولد الفساد.

خاتمة

تُظهر القراءة النقدية لدور المخبرين في مكافحة الفساد أن أهمية الإبلاغ لا يمكن إنكارها من الناحية الإجرائية، إلا أن المبالغة في التعويل عليه قد تؤدي إلى اختزال مشكلة معقدة في أداة واحدة من أدوات المواجهة. ففي العراق، حيث تشير الوقائع إلى أن كثيراً من مظاهر الفساد معروفة ومعلنة، تبدو الأزمة أقرب إلى أزمة إرادة سياسية ومؤسسات مساءلة منها إلى أزمة معلومات.

وعليه، فإن المخبرين يمكن أن يسهموا في كشف تفاصيل الفساد وتوفير الأدلة اللازمة لملاحقة مرتكبيه، لكنهم لا يستطيعون وحدهم معالجة الأسباب البنيوية التي تسمح باستمراره. إن مكافحة الفساد لا تبدأ من الإبلاغ عنه فحسب، بل من بناء دولة مؤسسات تمتلك القدرة والاستقلالية الكافيتين لتحويل المعرفة بالفساد إلى محاسبة فعلية وإصلاح مستدام. ومن دون ذلك، سيبقى الحديث عن المخبرين جزءاً من خطاب مكافحة الفساد أكثر من كونه حلاً جذرياً لمشكلته.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *