لم تعد التطورات المتسارعة في اليمن مجرد جولة جديدة بين الحوثيين والقوات الحكومية، ولم يعد الحديث عن باب المندب مجرد احتمال بعيد او ورقة ضغط يمكن استخدامها في المفاوضات, فقد تغيرت الخريطة بصورة كبيرة, فقد تمكن الحوثيون من السيطرة على مدينة المخا ومينائها ثم تقدموا باتجاه ذباب ووصلوا إلى جزيرة ميون الاستراتيجية الواقعة في قلب مضيق باب المندب، فيما تحدثت تقارير ومصادر عن سيطرتهم على جزيرة زقر واقترابهم من جزر حنيش الكبرى والصغرى.
وهذا يعني ان السؤال لم يعد هل يستطيع الحوثيون الوصول الى باب المندب؟ بل أصبح هل يستطيع الحوثيون تحويل وجودهم العسكري في محيط المضيق إلى نفوذ دائم على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم؟
أولاً:- المخا هي نقطة التحول في المعركة
كانت السيطرة على المخا هي نقطة التحول الأساسية في هذه التطورات, فالمخا ليست مجرد مدينة ساحلية وانما موقع يفتح الطريق جنوبا باتجاه ذباب وباب المندب، ويمنح القوة التي تسيطر عليه قدرة افضل على التحرك بمحاذاة الساحل الغربي, ومن هنا جاءت أهمية سقوط المدينة بهذه السرعة النسبية مقارنة بحجم التحصينات التي كانت تراهن عليها القوات الحكومية وحلفاؤها, حتى أصبح الطريق نحو الباب المندب مفتوحا امام الحوثيين، بل انتقلت المعركة الى مرحلة اكثر حساسية, من يسيطر على المواقع المطلة على المضيق والجزر المحيطة به؟
ثانياً:- ميون غيرت طبيعة المعركة
إذا كانت المخا تمثل بوابة الاقتراب من باب المندب فان جزيرة ميون تمثل قلب المعادلة البحرية, فهذه الجزيرة تقع داخل المضيق وتتمتع بموقع يسمح بمراقبة خطوط الملاحة والتحكم بالنقاط البحرية المحيطة بها, وهذا التطور اكبر من مجرد توسع بري, الحوثيون يقتربون من بناء منظومة سيطرة برية وبحرية حول باب المندب, وهذه هي النقطة التي من الممكن أن تتوقف عندها الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل ومصر.
ثالثاً:- حنيش وزقر وتوسيع مجال النفوذ
التحرك الحوثي لم يتوقف عند ميون, فقد أصبحت جزيرة زقر على أبواب السيطرة التامة، ووصلت قواتهم إلى جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى, وإذا ما استقر هذا الانتشار والسيطرة فإننا أمام تحول نوعي من السيطرة على الساحل إلى محاولة بناء شبكة مواقع عسكرية على البحر, وهذا يمنح الحوثيين عمقا أكبر في اي مواجهة مستقبلية حول الملاحة في البحر الأحمر.
رابعاً:- هل أصبح باب المندب حوثياً بالكامل؟
إن الحوثيين استكملوا السيطرة على منطقة باب المندب، لكن وصف الوضع بأنه سيطرة مطلقة على كامل المضيق يحتاج إلى التمييز بين السيطرة على المواقع والجزر اليمنية المحيطة به وبين القدرة على التحكم الفعلي بكل حركة الملاحة الدولية, الأهم عسكريا أن الحوثيون رفعوا علمهم فوق أغلب النقاط في المضيق، والخطوة التالية هي أن يمتلكوا القدرة على تهديد السفن أو مراقبتها أو استهدافها أو رفع تكلفة عبورها, وهذه القدرة وحدها يمكن أن تمنحهم نفوذا استراتيجيا كبيرا.
خامساً:- السعودية أمام معادلة أخطر
السعودية تواجه الآن ضغطاً من اتجاهين, الأول من الساحل الغربي اليمني وباب المندب, والثاني الهجمات الحوثية على الأراضي والمنشآت السعودية, والنقطة الثانية هي المشكلة السعودية الحقيقية فإذا ركزت الرياض على حماية أراضيها ومنشآتها فإن الحوثيين سوف يعززون مواقعهم في باب المندب, وإذا ركزت على استعادة الساحل اليمني فإنها قد تدخل في حرب طويلة ومكلفة.
سادساً:- الولايات المتحدة أمام ورطة ثانية
واشنطن تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد, فإذا تمكن الحوثيون من تثبيت نفوذهم في باب المندب فإن الولايات المتحدة ستواجه ممرين بحريين شديدي الحساسية في الوقت نفسه, هرمز في الخليج وباب المندب في البحر الأحمر, وهذا يعني أن القوة البحرية الأمريكية ستصبح أمام اختبار استراتيجي كبير, يتمحور حول حماية الملاحة في الخليج والبحر الأحمر في الوقت نفسه, لذلك المسألة لم تعد مرتبطة باليمن وحده, بل أصبحت مرتبطة بقدرة واشنطن على حماية النظام البحري الذي تقوم عليه تجارة الطاقة العالمية.
سابعاً: إيران اكبر مستفيد استراتيجي
من منظور إيراني فإن تقدم الحوثيين يحمل مكاسب استراتيجية كبيرة, إيران لا تحتاج بالضرورة إلى إدارة باب المندب بصورة مباشرة, يكفي أن يكون لديها حليف قوي ومسلح يمتلك القدرة على تهديد هذا الممر, وبذلك تصبح لدى طهران أوراق ضغط في أكثر من اتجاه, مضيق هرمز في الخليج وباب المندب في البحر الأحمر، أضافة الى شبكة حلفاء عسكرية في المنطقة, وهذه ليست مجرد أوراق عسكرية بل أوراق تفاوضية أيضاً, فكلما ارتفع مستوى الخطر على الملاحة ارتفعت أهمية اي مفاوضات تتعلق بالتهدئة الإقليمية.
ثامناً:- إسرائيل.. جبهة بحرية جديدة
إسرائيل تنظر إلى هذه التطورات باعتبارها جزءا من دائرة التهديد المحيطة بها, فالحوثيون سبق أن استخدموا البحر الأحمر لاستهداف سفن مرتبطة بإسرائيل، وبالتالي فإن امتلاك مواقع أكثر تقدما حول باب المندب يمنحهم قدرة أكبر على تهديد خطوط الملاحة الممتدة من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر وقناة السويس, وهذا يجعل الساحل اليمني جزءا من الأمن القومي الإسرائيلي وليس مجرد ملف يمني بعيد.
حادي عشر:- ماذا يعني ذلك للعراق؟
العراق قد يحصل على فائدة قصيرة الأمد من ارتفاع أسعار النفط، لأن ارتفاع سعر البرميل يعني زيادة محتملة في الإيرادات النفطية, لكن هذه الفائدة قد تكون مؤقتة, فالعراق يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، وأي ارتفاع في تكاليف النقل والتأمين والشحن سينعكس على أسعار السلع, والأهم أن العراق قد يتأثر أمنيا اذا تحولت المواجهة الإقليمية الى حرب متعددة الجبهات, فإذا دخلت الفصائل العراقية بصورة مباشرة في المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية فإن العراق سيتحول الى ساحة اأساسية في هذه المواجهة .
الثاني عشر:- المعركة التي يجب مراقبتها الآن
ما يهمنا في التطورات اليمنية القادمة هي مراقبة ثلاثة مسارات:-
أولا:- هل يستطيع الحوثيون تثبيت وجودهم في ميون وذباب والجزر المحيطة؟
ثانيا:- هل سترد السعودية بهجوم واسع لاستعادة الساحل؟
ثالثا:- هل ستدخل الولايات المتحدة عسكرياً بصورة مباشرة لمنع تحول باب المندب إلى منطقة نفوذ حوثية دائمة؟
إذا حدثت الإجابة بنعم على الأسئلة الثلاثة فإننا نكون أمام مرحلة جديدة من الحرب.
الحوثيون حققوا خلال الأيام الأخيرة مكسبا عسكريا واستراتيجياً كبيرا, لكن قيمة هذا المكسب لا تكمن في المخا أو ذباب وحدهما, القيمة الحقيقية تكمن في الموقع, فمن يسيطر على باب المندب لا يسيطر فقط على أرض يمنية، بل يقترب من واحدة من أهم عقد التجارة والطاقة في العالم, ولهذا فإن المعركة الحالية قد تكون أكبر من اليمن نفسه, إنها معركة على من يملك القدرة على التأثير في حركة السفن والطاقة بين آسيا وأوروبا، ومن يستطيع استخدام الجغرافيا البحرية كورقة ضغط في الصراع الإقليمي الحاصل في المنطقة.
على العموم : يمكن القول إن اليمن انتقل من كونه جبهة ضمن صراع إقليمي إلى كونه جزءاً من صراع على الممرات الاستراتيجية العالمية, والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس : هل سيطر الحوثيون على باب المندب؟ بل هل ستسمح الولايات المتحدة والسعودية والقوى الإقليمية للحوثيين بتحويل هذه السيطرة الميدانية إلى واقع استراتيجي دائم؟
إذا حدث ذلك فإن خارطة النفوذ في البحر الأحمر ستتغير ولن يكون العراق بعيداً عن نتائج هذا التغيير.
ماجستير علاقات دولية

