الرياضة العربية في الميزان الاسيوي .. إنجازات تستحق التقدير و إخفاقات تستوجب المراجعة  – الأستاذ الدكتور قاسم المندلاوي

تُعدّ دورة الألعاب الآسيوية واحدة من أبرز التظاهرات الرياضية على مستوى القارة، إذ تمثّل ميداناً للتنافس بين الدول الآسيوية، ومقياساً لتطور منظوماتها الرياضية، ومدى قدرتها على إعداد الأبطال والبطلات وتحقيق الإنجازات في مختلف الألعاب. كما تعكس نتائج هذه الدورات مستوى التخطيط العلمي، وكفاءة الإدارة الرياضية، وجودة برامج التدريب والإعداد.

ومع اختتام منافسات دورة الألعاب الآسيوية لعام 2026 ، التي استضافتها مدينتا آيتشي وناغويا في اليابان، تبرز الحاجة إلى قراءة النتائج العربية قراءة تحليلية تتجاوز تعداد الميداليات إلى دراسة أسباب النجاح والإخفاق، والوقوف على الفوارق بين الدول المشاركة، وتشخيص التحديات التي تواجه الرياضة العربية، ولا سيما في العراق وفلسطين واليمن .

وفي هذا السياق ، يتناول المقال حصيلة المشاركة العربية في الدورة ، مع تسليط الضوء على التطور الملحوظ في عدد من الدول الخليجية والأردن، ومناقشة بعض القضايا المرتبطة بتوسيع المشاركة الرياضية الآسيوية، وصولاً إلى طرح مجموعة من التوصيات التي يمكن أن تسهم في تطوير الرياضة التنافسية العربية، والاستعداد بصورة أفضل للاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس عام 2028 .

أولاً : حصيلة دورة الألعاب الآسيوية 2026

اختُتمت منافسات دورة الألعاب الآسيوية، التي أُقيمت في مدينتي آيتشي وناغويا في اليابان، خلال المدة من 19 سبتمبر/أيلول إلى 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بمشاركة نحو 11 ألف رياضي ورياضية، و6 آلاف مدرب وإداري، يمثلون 45 دولة ومنطقة آسيوية.

وشمل برنامج الدورة 469 مسابقة على الميداليات، موزعة على 43 رياضة، وشهدت منافسات قوية بين الدول المشاركة، عكست تفاوت مستويات الإعداد والتخطيط والاستثمار في الرياضة التنافسية على النحو االاتية :.

وجاء ترتيب الدول الأربع الأولى، وفق الأرقام الواردة في حصيلة الدورة ،

  •  المركز الأول الصين : برصيد 341 ميدالية، منها 169 ذهبية و89 فضية و83 برونزية
  •   المركز الثاني اليابان : برصيد 269 ميدالية، منها 83 ذهبية و95 فضية و91 برونزية
  •   المركز الثالث كوريا الجنوبية : برصيد 150 ميدالية، منها 39 ذهبية و43 فضية و68 برونزية
  •   المركز الرابع الهند :  برصيد 85 ميدالية، منها 21 ذهبية و27 فضية و37 برونزية

وتؤكد هذه النتائج أهمية التخطيط طويل الأمد ، والاستثمار في اكتشاف المواهب ، وتوفير الإمكانات العلمية والفنية اللازمة لتحقيق الإنجازات الرياضية .

ثانياً : واقع المشاركة العربية الآسيوية

شاركت 12 دولة عربية آسيوية في الدورة ، ووفق الحصيلة الإجمالية الواردة في البيانات الأولية للمقال، حققت الدول العربية 101 ميدالية، بواقع 34 ذهبية و27 فضية و40 برونزية

وقد جاءت غالبية الإنجازات العربية في الألعاب الفردية، مع تفاوت واضح في مستويات النتائج بين الدول المشاركة. وبرزت دول الخليج العربي بصورة لافتة ، سواء من حيث عدد الميداليات أو عدد الألعاب التي خاضت منافساتها

كما سجلت المرأة العربية حضوراً مهماً في عدد من المنافسات، ونجحت لاعبات عربيات، ولا سيما في دول الخليج، في إحراز ميداليات ذهبية وفضية وبرونزية. ويعكس هذا الحضور أهمية البرامج الموجهة إلى تطوير الرياضة النسوية، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتوفير فرص التدريب والإعداد والتنافس أمام اللاعبات

وفيما يأتي عرض لنتائج الدول العربية المشاركة ، وفق الأرقام الواردة في بيانات :

1  البحرين

تصدرت البحرين ترتيب الدول العربية، بعدما أحرزت 22 ميدالية، بواقع 11 ذهبية و5 فضيات و6 برونزيات، واحتلت المركز العاشر في الترتيب العام للدورة .

وشارك الوفد البحريني بنحو 139 لاعباً ولاعبة، خاضوا المنافسات في 20 رياضة

وتعكس هذه النتيجة أهمية الإعداد المسبق، والتركيز على الألعاب التي تمتلك فيها الدولة فرصاً حقيقية للمنافسة على الميداليات

2   الإمارات العربية المتحدة

جاءت الإمارات العربية المتحدة في المركز الثاني عربياً، برصيد 13 ميدالية، منها 7 ذهبيات و5 فضيات وبرونزية واحدة، واحتلت المركز الثالث عشر في الترتيب العام

وضم الوفد الإماراتي 165 لاعباً ولاعبة ، بينهم 117 لاعباً و48 لاعبة، تنافسوا في 23 رياضة

وتشير هذه المشاركة الواسعة إلى تنوع الحضور الرياضي الإماراتي ، فيما تظل مواصلة تطوير برامج إعداد الأبطال من المتطلبات الأساسية لتعزيز النتائج في الدورات المقبلة .

3   قطر

حلّت قطر في المركز الثالث عربياً ، بعدما أحرزت 18 ميدالية، بواقع 6 ذهبيات و6 فضيات و6 برونزيات، وجاءت في المركز الرابع عشر في الترتيب العام .

وشارك الوفد القطري بنحو 243 لاعباً ولاعبة، منهم 184 لاعباً و59 لاعبة ، في 26 رياضة .

وتستدعي هذه النتيجة مواصلة الاستثمار في الألعاب التي تحقق فيها قطر نتائج تنافسية، مع العمل على توسيع قاعدة المواهب القادرة على المنافسة في مختلف الرياضات .

4   السعودية

جاءت السعودية في المركز الرابع عربياً، برصيد 17 ميدالية، منها 4 ذهبيات و3 فضيات و10 برونزيات ، واحتلت المركز الثامن عشر في الترتيب العام .

وضم الوفد السعودي 144 لاعباً ولاعبة ، تنافسوا في 19 رياضة .

وتوفر هذه الحصيلة أساساً مهماً لتقييم مستوى الأداء في الألعاب المختلفة ، وتحديد المجالات التي يمكن تطويرها لزيادة عدد الميداليات الذهبية في الاستحقاقات المقبلة .

5   الكويت

احتلت الكويت المركز الخامس عربياً، بعدما أحرزت 9 ميداليات، منها 4 ذهبيات وفضية واحدة و4 برونزيات، وجاءت في المركز التاسع عشر في الترتيب العام.

وشارك الوفد الكويتي بنحو 120 لاعباً ولاعبة ، تنافسوا في 16 رياضة .

وتبرز أهمية البناء على الميداليات المحققة من خلال برامج تدريبية مستدامة ، وتوفير الدعم الفني والعلمي للرياضيين والرياضيات أصحاب الفرص التنافسية .

6   الأردن

حلّ الأردن في المركز السادس عربياً ، برصيد 11 ميدالية ، منها ذهبيتان و3 فضيات و6 برونزيات، واحتل المركز الثالث والعشرين في الترتيب العام .

وضم الوفد الأردني 70 لاعباً ولاعبة ، تنافسوا في 16 رياضة .

وتُظهر هذه النتيجة أهمية مواصلة تطوير الألعاب الفردية ، والاستفادة من الخبرات الفنية ، وتعزيز برامج إعداد الرياضيين للمنافسات القارية والأولمبية .

7   العراق

جاء العراق في المركز السابع عربياً ، برصيد 5 ميداليات ، بواقع فضيتين و3 برونزيات ، من دون إحراز ميدالية ذهبية ، واحتل المركز الثلاثين في الترتيب العام .

وشارك العراق ، وفق البيانات الواردة في المقال ، بـ13 لاعباً تنافسوا في 7 رياضات .

وتثير هذه النتيجة تساؤلات جدية بشأن حجم المشاركة العراقية ، ومدى الاستفادة من الإمكانات البشرية والتاريخ الرياضي للبلاد ، فضلاً عن آليات اختيار الرياضيين والرياضات التي تحظى بالأولوية في المشاركات الخارجية .

8   لبنان

حلّ لبنان في المركز الثامن عربياً ، بعدما أحرز 3 ميداليات ، بواقع فضية واحدة وبرونزيتين ، واحتل المركز الثاني والثلاثين في الترتيب العام .

وشارك الوفد اللبناني بنحو 34 رياضياً ورياضية ، تنافسوا في 17 رياضة .

وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة في ضوء الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الصعبة التي يواجهها لبنان ، الأمر الذي يجعل توفير الدعم الرياضي المستدام عاملاً مهماً في الحفاظ على حضور البلاد التنافسي .

9   سلطنة عُمان

جاءت سلطنة عُمان في المركز التاسع عربياً ، واحتلت المركز الرابع والثلاثين في الترتيب العام ، وفق البيانات الواردة في المقال

وضم الوفد العُماني 75 لاعباً ولاعبة ، منهم 67 لاعباً و8 لاعبات ، تنافسوا في 10 رياضات .

وتستدعي هذه المشاركة دراسة نتائج الألعاب المختلفة ، وتحديد مجالات التطوير ، وتوسيع فرص إعداد الرياضيين والرياضيات للمنافسات القارية .

10   سوريا

حلّت سوريا في المركز العاشر عربياً ، بعدما أحرزت ميدالية برونزية واحدة ، واحتلت المركز السابع والثلاثين في الترتيب العام

وضم الوفد السوري 15 رياضياً ورياضية ، تنافسوا في 9 رياضات .

وتعكس هذه الحصيلة حجم التحديات التي تواجه الرياضة السورية،  وتبرز الحاجة إلى توفير بيئة أكثر استقراراً لدعم التدريب واكتشاف المواهب وإعادة بناء القدرات التنافسية .

11   فلسطين

شارك الوفد الفلسطيني بـ67 لاعباً ولاعبة ، تنافسوا في 19 رياضة ، وفق الأرقام الواردة في المقال ، من دون إحراز ميداليات ، ليأتي في المرتبة الحادية عشرة عربياً، بحسب الترتيب المذكور .

ولا يمكن فصل نتائج الرياضة الفلسطينية عن الظروف السياسية والإنسانية والاقتصادية القاسية التي يواجهها الشعب الفلسطيني ، وما تفرضه من صعوبات على الرياضيين في التدريب والتنقل والاستعداد للمنافسات .

12   اليمن

شارك اليمن بـ27 رياضياً، تنافسوا في 9 رياضات ، من دون إحراز ميداليات ، وفق البيانات الواردة في المقال .

وتواجه الرياضة اليمنية تحديات كبيرة نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية والإنسانية ، الأمر الذي يستدعي برامج دعم طويلة الأمد ، تتيح للرياضيين فرصاً مناسبة للتدريب والتأهيل والمشاركة التنافسية .

ثالثاً  : ملاحظات وتحليلات بشأن الدورة

الملاحظة الأولى : إدراج رياضات جديدة وأهمية الحفاظ على الرياضات التراثية

شهد برنامج الدورة، وفق ما ورد في بيانات المقال ، إدراج رياضات ومسابقات جديدة ، من بينها البادل والتيك بول وبعض الرياضات القتالية، إلى جانب مسابقات أخرى .

وفي المقابل ، لم تُدرج رياضة الزورخانة ضمن برنامج المنافسات ، على الرغم من مكانتها التراثية والتاريخية في عدد من المجتمعات الآسيوية ، ولا سيما في إيران والعراق والكويت وكوردستان .

وقد عُرفت هذه الرياضة في العقود الماضية ، وأُقيمت لها منافسات في مدن عراقية ، منها ( بغداد والكاظمية وكربلاء والبصرة )  وفي مدن إيرانية، منها  ( طهران وكاشان وخراسان وكرماشان وإيلام ) وكذلك في أربيل والسليمانية في إقليم كوردستان العراق  ، فضلاً عن مناطق آسيوية أخرى .

ويشير المقال إلى تأسيس الاتحاد الدولي للزورخانة عام 2004 ، وارتباط هذه الرياضة بجهود الحفاظ على التراث الرياضي التقليدي

ومن هنا، تبرز أهمية دراسة سبل تطوير الرياضات التراثية وتوثيق تاريخها ، والعمل على تعزيز حضورها في المحافل الرياضية والثقافية الآسيوية ، متى استوفت الشروط الفنية والتنظيمية المعتمدة .

وسنتناول في مقالات لاحقة تاريخ رياضة الزورخانة ، وقواعدها ، وأبرز أبطالها ، وأهميتها في التراث الرياضي الآسيوي .

الملاحظة الثانية  : المشاركة الرياضية الكوردية ومبدأ تكافؤ الفرص

تتسم الدورات الآسيوية بمشاركة الدول والمناطق الرياضية المعترف بها وفق الأطر التنظيمية المعتمدة لدى الجهات الرياضية القارية والدولية ، وهو ما يثير تساؤلات بشأن فرص مشاركة الرياضيين المنتمين إلى شعوب ومناطق لا تتمتع بتمثيل أولمبي مستقل

وفي هذا السياق ، تبرز قضية الرياضيين والرياضيات الكورد ، ولا سيما في إقليم كوردستان العراق ، بوصفها قضية تستحق البحث والنقاش من منظور تكافؤ الفرص وتوسيع المشاركة الرياضية .

ويشير المقال إلى أن عدد الكورد في كوردستان والمناطق الأخرى يتجاوز 50 مليون نسمة ، وأن أبناء الشعب الكوردي أدوا أدواراً بارزة في مجالات متعددة ، ومنها مواجهة الإرهاب وما ترتب عليها من تضحيات بشرية كبيرة .

ومن وجهة نظري ، فإن توسيع فرص المشاركة الرياضية ينبغي أن يكون موضع حوار جاد بين المجلس الأولمبي الآسيوي واللجنة الأولمبية الدولية والجهات الرياضية المعنية ، مع مراعاة الأنظمة المعتمدة ، والبحث عن السبل التنظيمية المتاحة لتعزيز مشاركة الرياضيين والرياضيات الكورد .

فالرياضة ، في جوهرها ، وسيلة للتقارب بين الشعوب ، وتعزيز التفاهم الإنساني ، وترسيخ قيم العدالة والسلام والاحترام المتبادل .

الملاحظة الثالثة : تفاوت مستويات الأداء بين الدول العربية

تكشف النتائج عن تفاوت واضح في مستوى الأداء الرياضي بين الدول العربية المشاركة. فقد حققت البحرين والإمارات وقطر والسعودية والكويت والأردن نتائج لافتة في عدد من الألعاب ، كما تمكن لبنان من إحراز ميداليات على الرغم من التحديات التي يواجهها .

وفي المقابل ، لم تحقق فلسطين واليمن ميداليات في هذه الدورة ، بينما اقتصرت حصيلة سوريا على ميدالية برونزية واحدة ، وفق البيانات الواردة في المقال

ولا ينبغي تفسير هذه النتائج بمعزل عن الظروف التي تعمل في ظلها المنظومات الرياضية  ، فالأداء التنافسي يتأثر بعوامل متعددة، تشمل الاستقرار السياسي والاقتصادي ، وتوافر المنشآت ، وجودة التدريب ، والتمويل ، والخدمات الطبية ، وفرص المشاركة في البطولات التأهيلية .

ومن هنا، فإن المقارنة بين الدول ينبغي أن تستند إلى تحليل علمي يأخذ في الاعتبار حجم الوفود ، وعدد الألعاب المشاركة ، والإمكانات المتاحة ، والظروف التي تحيط بالرياضيين .

الملاحظة الرابعة  : المشاركة العراقية بين الإمكانات والنتائج

كان من المتوقع أن يشهد العراق مشاركة أوسع وأكثر فاعلية ، ولا سيما في ألعاب القوى والألعاب الفردية ، بالنظر إلى تاريخه الرياضي وإمكاناته البشرية وما يمتلكه من مواهب قادرة على المنافسة .

لكن النتائج الواردة في المقال تشير إلى مشاركة محدودة ، واقتصار الحصيلة على خمس ميداليات  ( 2 فضية و 3 برونزية  ) من دون إحراز الذهب .

كما يذكر المقال أن عدداً من الاتحادات الرياضية العراقية اعتذر عن المشاركة ، ومن بينها المنتخب الأولمبي لكرة القدم ، وفق تصريحات منسوبة إلى رئيس البعثة العراقية .

وقد تداول بعض أساتذة كلية التربية الرياضية في جامعة بغداد ، عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، تعليقات تنتقد ارتفاع نسبة الإداريين مقارنة بعدد اللاعبين في الوفد العراقي ، وتطرح تساؤلات بشأن طبيعة التمثيل الرياضي ومدى ملاءمته لأهداف المشاركة .

وإذا تأكدت الأرقام المتعلقة بتشكيلة الوفد ، فإنها تستدعي مراجعة دقيقة لمعايير تشكيل الوفود الرياضية ، وتحديد الاحتياجات الفعلية من الإداريين والمدربين ، وضمان توجيه الموارد نحو الرياضيين وبرامج إعدادهم .

إن المشاركة في الدورات القارية ليست مجرد حضور رسمي ، بل ينبغي أن تكون جزءاً من مشروع رياضي واضح الأهداف ، يستند إلى التأهيل والمنافسة وتقييم النتائج واكتساب الخبرة .

ولذلك ، فإن العراق بحاجة إلى مراجعة أسباب محدودية المشاركة ، ودراسة قرارات الاعتذار ، وتحديد مسؤوليات الجهات المعنية ، ووضع معايير شفافة لاختيار الرياضيين والوفود الإدارية .

الملاحظة الخامسة  : التحليل والتقويم والتخطيط للمستقبل

إن انتهاء دورة الألعاب الآسيوية ينبغي أن يكون بداية لمرحلة جديدة من التقييم والتخطيط ، لا مجرد مناسبة لإعلان النتائج وتعداد الميداليات .

ومن الضروري أن تبادر الاتحادات الرياضية العربية إلى إجراء تحليل فني وعلمي شامل لأداء منتخباتها ورياضييها ، وتحديد نقاط القوة والضعف ، ودراسة أسباب النجاح والإخفاق ، ووضع خطط تطوير قابلة للقياس والتنفيذ :

وفي هذا الإطار يمكن التأكيد على الأولويات الآتية :

1  – اجراء تقييم علمي للاداء : تحليل  النتائج الفردية والجماعية ، ومقارنتها بالمستويات . الآسيوية والدولية ، وتحديد أسباب الفوارق الفنية والبدنية .

2  – تطوير برامج التدريب : اعتماد مناهج حديثة في الإعداد البدني والمهاري والنفسي، والاستفادة من علوم الرياضة والتغذية والطب الرياضي وتحليل الأداء  ..

 3  –  التركيز على الألعاب الفردية  :   منح اهتمام خاص للألعاب التي تتوافر فيها فرص تنافسية واقعية ، مثل المصارعة ورفع الأثقال والملاكمة والتايكواندو والكاراتيه والجودو وألعاب القوى .

 4  –   تعزيز الرياضة النسوية  :  توسيع فرص مشاركة اللاعبات ، وتوفير برامج تدريب متخصصة ،  ودعم الكفاءات النسوية في المجالات الفنية والإدارية .
   5  –   تطوير الإدارة الرياضية  :   اختيار القيادات الرياضية على أساس الكفاءة والخبرة والنزاهة  وتعزيز الشفافية والمساءلة ، والابتعاد عن التعصب والعنصرية والصراعات الشخصية .

   6  –  ترشيد  تشكيل الوفود  :  ربط عدد الإداريين والمدربين بالاحتياجات الفعلية للمنتخبات وإعطاء الأولوية للرياضيين المؤهلين للمنافسة .

 7  – اكتشاف المواهب ورعايتها    :  توسيع  برامج اكتشاف المواهب في المدارس والأندية والأقاليم ، ووضع مسارات واضحة للانتقال من المنافسات المحلية إلى القارية والدولية .

   8  – الاعداد المبكر لأولمبياد لوس  انجلوس  2028 :  خطط زمنية محددة ،  وبرامج تاهيل  ومشاركات دولية ، ومؤشرات أداء لكل اتحاد ، مع مراجعة دورية للإنجازات ومدى التقدم نحو الأهداف .

وبالنسبة إلى العراق على وجه الخصوص ، ينبغي إجراء مراجعة شاملة لواقع الاتحادات والأندية الرياضية ، ودراسة أسباب الاعتذار عن المشاركة في دورة 2026 ، وتحديد الرياضات التي يمكن أن تحقق نتائج أفضل ، وتوجيه الموارد نحو برامج إعداد جادة ومستدامة .

كما ينبغي الاهتمام بالرياضيين والرياضيات على حد سواء ، وتوفير فرص عادلة للتدريب والمنافسة ، والاستعانة بالكفاء والميدانية القادرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة .

 من حصيلة الميداليات إلى صناعة الإنجاز

إن النتائج التي أفرزتها دورة الألعاب الآسيوية لعام 2026 تقدم فرصة مهمة لإعادة تقييم واقع الرياضة العربية ، والانتقال من الاكتفاء بالاحتفاء بالميداليات إلى البحث في العوامل الحقيقية التي تصنع الإنجاز الرياضي وتضمن استمراره

لقد أظهرت نتائج عدد من الدول العربية ، ولا سيما دول الخليج والأردن ، إمكانية تحقيق تقدم تنافسي من خلال التخطيط والإعداد والاستثمار في المواهب . وفي المقابل ، تفرض النتائج المحدودة لبعض الدول ، وفي مقدمتها العراق ، ضرورة إجراء مراجعة جادة للسياسات الرياضية ، وآليات الإدارة ، وبرامج التدريب ، ومعايير المشاركة في البطولات الخارجية .

إن صناعة البطل الأولمبي لا تبدأ قبل موعد الدورة بأسابيع أو أشهر، بل هي ثمرة عمل مؤسسي طويل ، يبدأ باكتشاف الموهبة في سن مبكرة، ويمر بالتدريب العلمي والرعاية المتخصصة والمنافسة المستمرة،  وينتهي بتقييم موضوعي للنتائج وتطوير الخطط بناءً على ما تكشفه التجربة .

ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق وزارات الشباب والرياضة ، واللجان الأولمبية الوطنية ، والاتحادات والأندية ، والمؤسسات الأكاديمية والإعلام الرياضي ، للعمل بروح الفريق الواحد ، بعيداً عن المصالح الضيقة والتعصب والعنصرية والصراعات الشخصية

أما العراق ، بما يمتلكه من تاريخ رياضي وإمكانات بشرية ، فهو بحاجة إلى مشروع وطني رياضي واضح المعالم ، يقوم على الكفاءة والنزاهة والتخطيط العلمي ، ويمنح الرياضيين والرياضيات فرصاً حقيقية لإثبات قدراتهم ، ويجعل الإنجاز معياراً أساسياً لتقييم الأداء الإداري والفني .

إن الاستعداد لدورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس عام 2028 يجب أن يبدأ من الآن ، من خلال تحديد الأهداف ، وتأهيل الرياضيين ، وتوفير متطلبات المنافسة ، ومتابعة مؤشرات الأداء بصورة دورية .

فالإنجاز الرياضي لا يتحقق بالأمنيات ، ولا بكثرة الوفود ، ولا بالشعارات ، وإنما بالتخطيط العلمي ، والإدارة الكفؤة ، والعمل المتواصل ، والإيمان بقدرات الإنسان وتبقى الغاية الأسمى من الرياضة هي بناء الإنسان ، وتعزيز التفاهم بين الشعوب ، وترسيخ قيم العدالة والسلام والتنافس الشريف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *