خارج معادلة المحاور: كيف تصنع التنمية والسيادة وجهة العراق المقبلة؟- بقلم صبيح الكعبي

 

الواقع العربي يميل كما يميل النسيم.. عبارة دقيقة تختزل سيولة المواقف السياسية وهشاشة البناء الإقليمي الراهن. وفي وسط هذا المشهد المتهرئ، يقف العراق كحالة دراسية استثنائية؛ جسدٌ تتقاسم قواه المحلية الولاءات، ويتنازع على قراره الخارجي أكثر من مستشار إقليمي ودولي، مما يضعنا أمام السؤال الوجودي الأبرز: لمن هواه اليوم؟ وأين يرسو مستقبله الاستراتيجي وسط هذا التلاطم؟ إن فك شفرة هذا المشهد المعقد يتطلب تشريحاً هادئاً لثلاثة مفاصل حاسمة: السياسة، الاقتصاد، وتوازنات الطاقة الحيوية.

تأسيساً على ذلك، تشهد الخارطة العربية حالة من تعدد مراكز النفوذ وغياب القطب الواحد؛ إذ تلاشت الأحادية الدولية التقليدية لصالح استراتيجيات براغماتية وطنية تقودها دول الخليج، والتي توازن علاقاتها بدقة بين واشنطن وبكين وموسكو. وهذا المناخ الإقليمي السيال يفرض ضغوطاً متقاطعة وحرجة على صناعة القرار في بغداد؛ بين نفوذ جيراني يدافع عن مكتسباته الجيوسياسية، وشراكة دولية تمسك بملفات الأمن والنظام المالي، ومحيط عربي متطلع يسعى لاستعادة العراق إلى عمقه الطبيعي.

وارتباطاً بهذا المنطلق الاستراتيجي، تبرز لغة الاقتصاد المشترك وشبكات الطاقة كعصب حقيقي للسياسة المعاصرة، متجاوزةً الشعارات الأيديولوجية القديمة؛ فالتحالفات الراهنة لم تعد تُبنى على العواطف، بل باتت تُقاس بجدوى البنى التحتية، واستقرار الإمدادات، والربط اللوجستي البيني. ومن هنا، يمتلك العراق فرصة تاريخية لإعادة تموضعه عبر مشروع “طريق التنمية” الرابط بين ميناء الفاو الكبير وأوروبا. غير أن نجاح هذا الممر الحيوي لا يتطلب استكمال الجانب الهندسي فحسب، بل يتوقف بالدرجة الأولى على قدرة مؤسسات الدولة على بناء بيئة مستقرة ومقنعة، تجذب الاستثمارات والصناديق السيادية الخليجية – لا سيما السعودية والإمارات وقطر – والتي تمثل قاطرة التمويل الاستراتيجي في المنطقة.

وعلى التوازي مع ممرات النقل التجارية، يبرز ملف الربط الكهربائي ومشاريع الطاقة المشتركة مع دول الخليج ومحور الشام (الأردن ومصر) كخطوة استراتيجية تفكك التبعية الأحادية لملف الطاقة، وتمنح القرار العراقي مرونة ومناورة أوسع عبر تنويع منافذ الإمداد، مما يؤسس لأرضية من الاعتماد المتبادل الملموس للاقتصاد والمواطن على حد سواء.

بيد أن استشراف الغد يتطلب حتماً تجاوز المحيط العربي نحو صياغة توازنات ندّية مع الجوار غير العربي؛ فالمستقبل مع تركيا وإيران محكوم بملفات وجودية كالمياه والأمن وضبط الحدود. ويمتد هذا التوازن دولياً بين صيانة الشراكة الأمنية والمصرفية مع الغرب وواشنطن، وتعميق العلاقات مع القوى الصاعدة في الشرق، وتحديداً الصين وروسيا كأكبر مستهلكين ومستثمرين في النفط العراقي، حيث يجب أن يكون معيار التحالفات هنا هو “السيادة التنموية” المستقلة النابعة من المصلحة الوطنية أولاً.

وفي المحصلة، إن قراءة الواقع الإقليمي بعين الرقيب الهادئ والحرص الوطني تكشف أن مستقبل العراق لا يكمن في الانعزال أو الارتماء في حضن محور معين، بل في قدرته على إدارة التناقضات والتحول إلى نقطة التقاء للمصالح المشتركة. فالبوصلة الحقيقية للرافدين يجب أن تنبع من الداخل أولاً؛ إذ إن العلاقات العربية المتينة المستندة إلى الاستثمار هي الركيزة التنموية، والتوازن الدولي هو صمام الأمان الجغرافي. وعندما يقدم العراق نفسه كدولة سيدة تحمي مصالح شركائها، سيتوقف حتماً عن الميل مع نسيم التحولات، ليصبح هو الثابت الإقليمي الذي تدور حوله مصالح المنطقة والعالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *