أطلعت على الورقة البحثية للزميل والصديق العزيز الدكتور علي مرزا، بعنوان نظرة” دولية” تجاه دول شرق آسيوية قبل انطلاقاتها التنموية دروس وعبر للعراق. وأدناه رابط المقال
https://iraqieconomists.net/ar/2026/09/20/نظرة-دولية-تجاه-دول-شرق-آسيوية-قبل-انط/
تتميز هذه الورقة البحثية القيمة رصانة التحليل العلمي والمعرفي للموضوع. وهي متمة لعدد من الدراسات في مجال التنمية المستدامة في الاقتصاد العراقي، سبق وأن نشرها الكاتب على موقع الشبكة الاقتصاديين العراقيين، بهدف فتح النقاشات وإغناء مواضعها من قبل القراء والمهتمين في الاقتصاد/السياسة، والخروج بنتائج
تساعد على إنضاج رؤية موضوعية وتقديم الحلول للمشاكل والمعضلات التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، منذ 2003 وحتى اليوم. أثمن عالياً جهود زميلنا ويستحق كل التقدير والثناء. وأشد على ايديه لمزيد من العطاء المثمر.
ملخص
تبحث هذه الورقة في الشروط المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية التي يمكن أن تساعد العراق على الانتقال من نموذج اقتصادي ريعي يعتمد بصورة كثيفة على النفط إلى اقتصاد تنموي أكثر تنوعاً واستدامة. وتنطلق من مقارنة تحليلية مع تجارب اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وتايوان والصين وفيتنام، مع التأكيد أن المقصود ليس استنساخ هذه التجارب، بل استخلاص آليات عامة قابلة للتكييف مع الظروف العراقية. وتبين البيانات الحديثة أن النفط مثّل في العراق عام 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، و88% من الإيرادات الحكومية، و91% من صادرات السلع [1]. كما بلغ معدل البطالة وفق تقدير منظمة العمل الدولية المنشور عبر البنك الدولي 15.5% في 2025 [2]. وتخلص الورقة إلى أن التحول يتطلب قيادة ومؤسسات ذات توجه تنموي، واستراتيجية وطنية طويلة الأجل، وتنويعاً إنتاجياً، وانفتاحاً تجارياً محسوباً، وقطاعاً خاصاً منتجاً، وإصلاحاً مالياً ومصرفياً، واستثماراً مكثفاً في رأس المال البشري والتكنولوجيا، إلى جانب بيئة اجتماعية وسياسية أكثر تعاوناً واستقراراً.
- مقدمة وإشكالية البحث
تكشف المقارنة بين العراق وعدد من الاقتصادات الآسيوية أن الموارد الطبيعية ليست شرطاً كافياً لتحقيق التنمية، كما أن الانفتاح على السوق العالمية لا ينتج تلقائياً اقتصاداً متنوعاً. فقد ارتبط التحول الآسيوي بمزيج من النمو الموجه نحو الخارج، وتنمية رأس المال البشري، وتحسين الحوكمة الاقتصادية، وبناء القدرات الإنتاجية والتكنولوجية [3]. وفي الحالات الناجحة، لم يكن دور الدولة نقيضاً للسوق، بل تمثل في بناء المؤسسات، وتوفير البنية الأساسية، وتنسيق الاستثمار، وتهيئة الحوافز، وربطها في مراحل مختلفة بأهداف الإنتاجية والتصدير والتعلم التكنولوجي.
تتمثل مشكلة العراق في أن النفط ما زال يمول القسم الأكبر من المالية العامة والصادرات، الأمر الذي يجعل النمو والإنفاق العام شديدي الحساسية لتقلبات سوق النفط. ويؤكد صندوق النقد الدولي أن نمو القطاع غير النفطي تباطأ من 13.8% في 2023 إلى نحو 2.5% في 2024، وأن الاختلالات المالية والقيود التمويلية تتطلب إصلاحات هيكلية لرفع الإيرادات غير النفطية وتعزيز النمو غير النفطي [4]. ومن ثم فإن السؤال المركزي ليس كيف يزيد العراق إنتاج النفط، وإنما كيف يحوّل عائداته النفطية إلى قاعدة لرأس مال بشري وإنتاجي وتكنولوجي تقلل الاعتماد عليه.
- مقارنة بنيوية: ماذا تكشف التجارب الآسيوية؟
تظهر التجارب الآسيوية اختلافات كبيرة في النظم السياسية والاقتصادية، ولذلك لا يصح التعامل معها كنموذج واحد. غير أن الأدبيات المقارنة تشير إلى مجموعة عناصر متكررة: الاستثمار في التعليم والصحة، رفع الإنتاجية، توجيه الموارد إلى القطاعات القابلة للتوسع، الاندماج في التجارة الدولية، اكتساب التكنولوجيا، وبناء مؤسسات قادرة على تنفيذ السياسات ومراجعتها [3]. كما أن السياسة الصناعية الحديثة لا تعني العودة إلى التخطيط المركزي، بل يمكن أن تستخدم أدوات متعددة لتشجيع الأنشطة الاستراتيجية، وزيادة الوظائف والقيمة المضافة والقدرة التصديرية، بشرط وجود مؤسسات فعالة وآليات تقييم [5].
بالنسبة للعراق، فإن أهم درس هو العلاقة بين الدولة والسوق. فالدولة التنموية ليست دولة تملك كل شيء، والاقتصاد السوقي ليس اقتصاداً تتراجع فيه الدولة عن وظائفها الأساسية. المطلوب هو دولة تضع الإطار المؤسسي والاستراتيجي، وتستثمر في المنافع العامة، وتزيل اختناقات الإنتاج، وتترك مساحة واسعة للمنافسة والاستثمار الخاص، مع مساءلة واضحة عن النتائج.
- المقومات الاقتصادية للانتقال
أولاً: إعادة تعريف وظيفة الإيرادات النفطية. ينبغي التعامل مع النفط كمصدر لتمويل التحول لا كمصدر دائم لتمويل الاستهلاك. ويقتضي ذلك زيادة حصة الاستثمار المنتج في الموازنة، وحماية الإنفاق الرأسمالي ذي العائد الاقتصادي، ولا سيما النقل، والكهرباء، والمياه، واللوجستيات، والاتصالات. وقد شدد صندوق النقد الدولي في 2025 على حماية الإنفاق الرأسمالي غير النفطي، خصوصاً في التجارة والنقل والكهرباء، لدعم التنويع [4].
ثانياً: تنويع هيكل الإنتاج. لا يمكن تحقيق التنويع بإعلانات عامة، بل عبر برامج قطاعية محددة في الصناعات الغذائية والتحويلية، البتروكيميائيات، مواد البناء، الزراعة الحديثة، الخدمات اللوجستية، السياحة، الاقتصاد الرقمي، والطاقة. ويجب أن تقاس هذه البرامج بمؤشرات كمية: القيمة المضافة، الإنتاجية، فرص العمل، المحتوى المحلي، التصدير، ونقل التكنولوجيا.
ثالثاً: إصلاح النظام المالي والمصرفي. ضعف التمويل الإنتاجي يقيد قدرة القطاع الخاص على التوسع. وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى الحاجة إلى تقوية القطاع المصرفي الخاص، وتحسين المتطلبات التنظيمية، وإنشاء بنية أفضل للمعلومات الائتمانية وضمان الودائع [4]. وهذا يتطلب أيضاً تطوير سوق ائتمان أكثر شفافية وتنافسية، بعيداً عن تخصيص الموارد على أساس العلاقات غير الاقتصادية.
- المقومات الاجتماعية والبشرية
التنمية المستدامة في العراق تواجه تحدياً ديموغرافياً مهماً. فقد بلغ عدد السكان نحو 47 مليون نسمة في 2025، وبلغ معدل النمو السكاني 2.1% [2]. كما يشير البنك الدولي إلى أن الشباب بين 15 و29 عاماً يشكلون قرابة 29% من السكان، في حين تبلغ البطالة 13.5% وفق مقياسه المنشور في ملف العراق، مع انخفاض المشاركة في قوة العمل [1]. وتكشف هذه المؤشرات أن خلق فرص العمل ليس نتيجة جانبية للتنمية، بل شرط للاستقرار الاجتماعي ولتحويل النمو السكاني إلى عائد اقتصادي.
لذلك ينبغي إعادة بناء العلاقة بين التعليم وسوق العمل. فالإنفاق على التعليم لا يكفي إذا بقيت المناهج والتخصصات بعيدة عن احتياجات الصناعة والزراعة والخدمات. وتحتاج السياسة التنموية إلى توسيع التعليم التقني والمهني، وربط الجامعات بمراكز البحث والشركات، وتحفيز التدريب أثناء العمل، وإزالة العوائق أمام مشاركة أوسع للنساء في سوق العمل. وقد أكد صندوق النقد الدولي أن إصلاحات سوق العمل والتدريب المهني وتحسين المشاركة الاقتصادية يمكن أن ترفع إمكانات النمو غير النفطي [4].
- القيادة التنموية والمؤسسات السياسية
العنصر الأكثر حساسية في الانتقال هو وجود قيادة سياسية ومؤسساتية تنظر إلى التنمية بوصفها مشروعاً طويل الأجل يتجاوز الدورات الحكومية. وتاريخ شرق آسيا يبين أهمية قدرة الدولة على التنسيق بين الوزارات والمؤسسات، والاستمرار في السياسات الإنتاجية، وتعديلها عند ظهور نتائج غير مرضية [3]. وفي العراق، يتطلب ذلك جهازاً اقتصادياً أكثر تنسيقاً، وأهدافاً وطنية قابلة للقياس، وآلية مستقلة لتقييم البرامج والمشروعات.
ولا يمكن بناء هذه المؤسسات من دون الحد من تضارب المصالح والفساد وتحسين الشفافية. وقد أشار البنك الدولي إلى أن اعتماد العراق على النفط يجعل جودة إدارة الإيرادات النفطية والشفافية المالية مسألة محورية، كما شهد العراق في 2025 تقدماً في التحقق من متطلبات مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية، مع بقاء 27 إجراءً تصحيحياً مطلوباً قبل دورة التحقق التالية [6]. كما يؤكد البنك الدولي، في دراسته الخاصة بالتنوع والنمو في العراق، أهمية الإصلاحات التي تساعد على الخروج من الهشاشة وبناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً [7] وهذا يوضح أن الإصلاح المؤسسي ليس شعاراً، بل سلسلة إجراءات قابلة للقياس والمتابعة.
- القطاع الخاص والانفتاح على الأسواق العالمية
لا يمكن أن تقوم عملية التنويع في العراق على الدولة وحدها. المطلوب انتقال القطاع الخاص من نشاط تجاري يعتمد على الاستيراد والإنفاق العام إلى قطاع منتج يستثمر في الصناعة والزراعة، والخدمات، والتكنولوجيا، والتصدير. وهذا يستلزم بيئة أعمال مستقرة، وتبسيط إجراءات الترخيص والضرائب والجمارك، وتكافؤاً في المنافسة، وإتاحة التمويل، وحماية حقوق الملكية والعقود.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يكون الانفتاح على الأسواق العالمية جزءاً من استراتيجية إنتاجية. فقد كان التوجه الخارجي أحد العناصر المشتركة في التجارب الآسيوية الناجحة [3]. أما بالنسبة للعراق، فإن الانفتاح ينبغي أن يستخدم لتوسيع الأسواق ونقل التكنولوجيا وجذب الاستثمار الأجنبي المرتبط بالإنتاج، لا أن يؤدي فقط إلى زيادة الواردات. ولذلك ينبغي ربط الاتفاقيات التجارية والسياسات الجمركية بأهداف تنويع الصادرات وبناء سلاسل قيمة محلية.
- البعد المجتمعي والسياسة الخارجية
لا تنفصل التنمية الاقتصادية عن البيئة الاجتماعية والسياسية. فاقتصاد متنوع يحتاج إلى قدر من التوافق حول قواعد المنافسة، وحماية المال العام، وأولوية الاستثمار، واستقرار المؤسسات. ومن هنا تبرز أهمية سياسات داخلية تصالحية وجامعة تخفف من تحويل الموارد العامة إلى أدوات للصراع السياسي والاجتماعي، وتدعم المواطنة الاقتصادية المتساوية.
كما أن السياسة الخارجية تؤثر مباشرة في اقتصاد العراق بحكم موقعه الجغرافي واعتماده على صادرات النفط واستيراد جزء كبير من احتياجاته. لذلك فإن خفض النزاعات الخارجية وتوسيع التعاون الاقتصادي الإقليمي يمكن أن يفتح مجالات للنقل، والطاقة، والتجارة، والاستثمار. والمقصود ليس تبني سياسة خارجية بمعيار اقتصادي ضيق، وإنما توفير بيئة إقليمية تساعد العراق على توظيف موقعه الجغرافي وتحويله إلى ميزة اقتصادية.
- استراتيجية انتقالية مقترحة
يمكن ترجمة المقومات السابقة إلى استراتيجية انتقالية على ثلاث مراحل مترابطة:
ـ المرحلة الأولى، قصيرة الأجل، تركز على الاستقرار المالي وإصلاح الإدارة العامة والكهرباء والمصارف وتحسين بيئة الأعمال والشفافية.
ـ المرحلة الثانية، متوسطة الأجل، تركز على الصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية والتدريب المهني وتوسيع الصادرات غير النفطية.
ـ أما المرحلة الثالثة، طويلة الأجل، فتستهدف اقتصاداً قائماً بدرجة أكبر على الإنتاجية والتكنولوجيا والبحث والتطوير، مع تراجع تدريجي في الوزن النسبي للنفط.
ويجب أن تكون لكل مرحلة مؤشرات أداء محددة، مثل: نسبة الإيرادات غير النفطية، حصة الصادرات غير النفطية، مساهمة الصناعة والزراعة والخدمات الحديثة في الناتج، معدل الاستثمار الخاص، إنتاجية العمل، البطالة، المشاركة الاقتصادية للنساء، ونفقات البحث والتطوير. وبهذا تتحول الاستراتيجية من وثيقة تخطيطية إلى نظام مستمر للقياس والتقييم والتصحيح.
- الاستنتاجات
توضح المقارنة مع شرق آسيا أن انتقال العراق من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد التنموي ليس مسألة مالية أو نفطية فقط، وإنما عملية تحول مؤسسي وإنتاجي واجتماعي متكاملة. فالعراق يمتلك موارد مالية وطبيعية وموقعاً جغرافياً وسوقاً كبيرة، لكن تحويل هذه المزايا إلى تنمية مستدامة يتوقف على جودة المؤسسات وقدرتها على توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج.
وعليه، فإن المقوم الحاسم ليس تقليد دولة آسيوية بعينها، وإنما بناء توافق عراقي حول مشروع تنموي طويل الأجل: دولة قوية في وظائفها الأساسية، سوق أكثر انفتاحاً وتنافسية، قطاع خاص منتج، مجتمع أكثر تعاوناً، تعليم مرتبط بالإنتاج، وانفتاح خارجي يخدم التجارة والاستثمار ونقل التكنولوجيا. وإذا أمكن تحويل جزء متزايد من العوائد النفطية إلى رأس مال بشري ومادي وتكنولوجي، يصبح النفط أداة للانتقال من الريع إلى التنمية بدلاً من أن يبقى أساساً دائماً للنمو.
الشكر والتقدير لصديقي وزميلي الدكتور علي مرزا على اطلاعه الورقة، واقتراحه نشرها على موقع الشبكة.
(1) المقال منشور على شبكة الاقتصاديين العراقيين بتاريخ، 11/10/2026
المصادر والمراجع
[1] World Bank, Iraq Country Overview and Economic Update, 2025–2026. بيانات النفط، الناتج، الإيرادات الحكومية، الصادرات، سوق العمل.
[2] World Bank Data, Iraq: Population, GDP, unemployment and social indicators, latest available observations through 2025.
[3] World Bank, A Resurgent East Asia: Navigating a Changing World, 10 December 2018؛ ويتضمن عرضاً تحليلياً لعناصر نموذج شرق آسيا: النمو الموجه للخارج، رأس المال البشري، والحوكمة الاقتصادية.
[4] International Monetary Fund (IMF)، Iraq: 2025 Article IV Consultation, Executive Board Concludes Consultation, 9 July 2025.
[5] World Bank, Industrial Policy for Development, 2026؛ حول تصميم وتنفيذ السياسات الصناعية والمؤسسات والأدوات الداعمة للأنشطة الاستراتيجية.
[6] World Bank, Iraq Makes Strides in Extractives Transparency with EITI Validation Milestone, 14 May 2025.
[7] World Bank, Breaking Out of Fragility: A Country Economic Memorandum for Diversification and Growth in Iraq, 2020.

