مع تولّي ياسر صخيل المالكي وزارة الداخلية، يعود سؤال أساسي إلى الواجهة: كيف ستتعامل الوزارة مع المواطنين الذين ينتقدون وزيرها؟ فهذا السؤال يتصل بطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبمدى استعداد المسؤول لقبول المساءلة التي تفرضها عليه وظيفته العامة.
وقد نشر موقع «أميديا» خبراً ينسب إلى الوزارة التوعّد باتخاذ إجراءات قانونية ضد أصحاب حسابات تتهمهم بالإساءة والتشهير بالوزير الجديد، وإحالة المخالفين إلى القضاء. لكن أصل البيان الرسمي لم يتسنَّ التحقق منه بصورة مستقلة عند إعداد هذا النص، ولذلك ينبغي التعامل مع الخبر بوصفه خبراً منسوباً إلى الوزارة، لا واقعة محسومة بكل تفاصيلها. كما أن ملاحقة التشهير، وفق الوصف الوارد في الخبر، لا تعني تلقائياً إعلان ملاحقة النقد السياسي.
غير أن هذا التمييز نفسه يضع الوزارة أمام مسؤولية التوضيح. فما الذي تقصده بالإساءة؟ وهل تفصل بوضوح بين اختلاق الوقائع والتهديد الشخصي، وبين الاعتراض على اختيار الوزير والتشكيك في كفاءته ومناقشة برنامجه؟ إن ترك هذه الحدود غامضة، مع التلويح بالملاحقة، قد يدفع مواطنين إلى الصمت خشية أن تُفسَّر آراؤهم على أنها مخالفات تستوجب العقاب.
وزارة الداخلية من أكثر مؤسسات الدولة اتصالاً بحياة الناس. فعمل أجهزتها يمسّ أمنهم وحرياتهم ومعاملاتهم اليومية، وتملك من أدوات القوة ما يفرض عليها قدراً كبيراً من الانضباط والحياد. ولهذا فإن أي خطاب يصدر عنها بشأن منتقدي وزيرها يحمل ثقلاً يختلف عن ردّ سياسي أو تصريح حزبي؛ إذ قد يسمعه المواطن بوصفه رسالة من الجهاز القادر على استدعائه والتحقيق معه.
ومن هنا، ينبغي الفصل بين الوزارة وشخص من يتولى إدارتها. فالوزير يشغل موقعاً عاماً مؤقتاً، أما المؤسسة فمسؤولة عن خدمة المجتمع بأكمله، بمن فيه المعارضون لسياسات الوزير والرافضون لتعيينه. ولا يصح أن تتحول مواردها وصفحاتها وأجهزتها إلى وسائل للدفاع عن مكانته الشخصية أو الحزبية.
ومن حق العراقيين أن يسألوا ياسر المالكي عن مؤهلاته وخبرته وخطته لإدارة مؤسسة بهذا الحجم. ومن حقهم أيضاً مناقشة معايير اختياره، ومدى استقلال قراره، والضمانات التي تحول دون تأثير الانتماءات السياسية في التعيينات والترقيات. وقد تكون الأسئلة حادة ومحرجة، لكن إحراج المسؤول لا يجعل السؤال جريمة، كما أن رفض تعيينه لا يجعل صاحبه خصماً للدولة.
وفي المقابل، لا تمنح حرية النقد مبرراً لاختلاق الاتهامات أو نشر معلومات يعلم صاحبها أنها كاذبة، ولا تبيح التهديد والعنف. لكن معالجة هذه الأفعال تستلزم إجراءات عادلة ومتناسبة، وضمانات تمنع استغلال موقع المسؤول للضغط على خصومه. وينبغي أن يبقى الفصل في النزاع للقضاء، مع صون حقوق الأطراف، بعيداً عن حملات الترهيب والتشهير المضاد.
وكان المالكي قد أعلن، بعد توليه المنصب، التزامه بحماية المواطنين وصون حقوقهم وحرياتهم. كما نقلت وسائل إعلام، عند مباشرته مهامه في 17 تشرين الأول، توجيهاته بمراجعة العقود التي تحيط بها شبهات فساد وإعادة النظر في الرسوم المستحصلة من المواطنين. وهذه التوجهات تستحق المتابعة والتقييم على أساس نتائجها، ويجب أن يقترن تنفيذها بإتاحة المعلومات وتقبّل الرقابة العامة.
فالبرنامج الوزاري الجاد لا يكتمل بعبارات الأمن والنزاهة وسيادة القانون. إنه يحتاج إلى أولويات معلنة، ومواعيد للتنفيذ، ومؤشرات يستطيع المواطن والصحفي والنائب من خلالها قياس التقدم. وإذا كان الوزير يريد بناء الثقة، فإن نشر المعلومات والرد على الأسئلة أكثر فائدة من ترك الناس أمام أخبار تتحدث عن التوعّد بالملاحقة.
وإذا صح الخبر المنسوب إلى الداخلية، فإن المطلوب توضيح رسمي يضمن صراحة احترام النقد السياسي والصحفي، ويحدد طبيعة التصرفات التي تتحدث عنها الوزارة دون عبارات فضفاضة. وإذا كانت النسبة غير صحيحة، فإن نفيها بوضوح ضرورة لحماية المواطنين من الخوف، وحماية المؤسسة من صورة لا ينبغي أن تُلصق بها.
إن هيبة وزارة الداخلية تُبنى حين يشعر المواطن بأن القانون يحميه، وبأن بإمكانه الشكوى والاعتراض دون خشية من الانتقام. أما احترام الوزير فيكتسبه بعمله وعدالته وقدرته على الإجابة. وأول اختبار لوعود حماية الحريات هو أن يبقى صوت المواطن مسموعاً، حتى عندما يكون هذا الصوت ناقداً للوزير نفسه.

