ما كشفت عنه الانتخابات الامريكية النصفية مفارقات قد تكون عجيبة في السياسة الدولية والتي لا تحتاج إلى انتصار عسكري في حرب ضد ايران كي تكشف عن نفسها بل يكفي أن تنظر إلى نتائج المعركة احياننا في المكان الذي لم يكن طرفاً مباشراً في ميدانها، لتكتشف أن الحرب قد تصيب صاحب القرار بقدر ما تصيب خصمه. وهو ما كشفت عنه انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في الثالث من تشرين الثاني 2026، ان الأمريكيون يعرفون السياسة الخارجية وليست بعيدة الشأن عن حياتهم اليومية والتي انتهت بخسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وانتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين، في تحول انتخابي كبير وضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام واقع سياسي جديد، بعد عامين من سيطرة جمهورية على السلطتين التشريعية والتنفيذية،في حين يستمر الرئيس الأمريكي ترامب في صياغة الجمل والكلمات والمبالغة في الخيارات التي يطرحها لإنهاء الحرب مع الجمهورية الاسلامية الايرانية وهي ان هناك ثلاثة خيارات مطروحة أمامه لكي يختار من بينها للتعامل به مع ايران خلال الايام المقبلة ، وهي اما بمعاودة ضربها عسكريا ، او بالاستمرار في خنقها اقتصاديا ، او بتوقيع اتفاق معها. وطبعا دون ادنا شك انها خيارات مرفوضة مسبقا الا الشرط الثالث وفق النقاط التي تطالب بها ايران وهي النقاط سبعة لكي يتم الجلوس للتفاوض وتوقيع اتفاق معها. يبقى دكتور خيار التوقيع على اتفاق مع ايران، وهو ما سوف يجد نفسه مرغما عليه حتى وان تطلب الامر إدخال بضع تعديلات طفيفة على مذكرة التفاهم التي سبق توقيعها في إسلام آباد في ١٧ يونيو الماضي ولقيت ترحيبا كبيرا بها من قبل الايرانيين.. وهذه هي حدوده القصوى التي لا يقدر علي غيرها..وهو اشبه ما يكون الآن برئيس امريكي تحت الحصار حيث يقف وحيدا في وجه العاصفة.. بعد فشل إدارته لازمة هذه الحرب.بقراراته المتهورة والخاطئة…والتي كان نائبه وزرائه ومعاونيه ومستشاريه شركاؤه فيها.. وهم من يتهربون. من مسئوليتهم عنها الآن.. بل ولا يتورعون عن انتقاده فيها ويعزون اليها السبب في هزيمتهم الانتخابية الاخيرة كما فعل نائبه فانس. عندما قال يجب أن نحلل أسباب هزيمتنا حتى ننطلق منها إلى مستقبلنا.. و”حربنا علي ايران كانت واحدة منها.”.. وهكذا لعبة الكراسي بدأت رسميا في واشنطن. ترامب من جانبه يهاجم مرشحي الحزب ويتهمهم بالكسل وفقدان الولاء الكامل لحماية نفسه وتبرئة ساحته من الفشل وهذا ليس بالجديد في التهرب وهو عادي لترامب،ان المشكلة الكبيرة التي وقع فيها الرئيس الأمريكي بعد الانتخابات النصفية هو الزلزال الذي من المتوقع ان يصيب حكومته وهي مغادرة العديد من المسؤولين العاملين معه وهي حقائق فجرتها “بلومبيرغ بوليتيكو” والتي توصف بالتسونامي ما بعد النصفية كما يطلق عليها وسقوط اقنعة الولاء وانهيار فريقه ترامب أسرع مما كان الجميع يتوقع تحت عنوان ” الهروب بالمستقبل السياسي” واول المحترقين سيكون جيه دي فانس نائبه الذي يعتبر الخليف الشرعي لترامب بعد أن تهاوت أسهمه في سوق المراهنات السياسية بعد القاء اللوم على الحرب ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية التي سببت خسارة الحزب الجمهوري والنأي بنفسه عن الأخطاء التي وقع فيها ترامب قال نائب الرئيس الأميركي دي جي فانس، إنّ «الجميع يعرفون سبب خسارتنا»، مشيراً إلى أنّ استطلاعات الرأي أظهرت أنّ عدداً كبيراً من الناخبين صوّتوا لمصلحة الديمقراطيين رغبةً في إنهاء الحرب، إلى جانب القلق من ارتفاع تكاليف المعيشة وتغيير العلاقات الأميركية مع “إسرائيل”.
في المقابل، قال الرئيس دونالد ترامب إنّ تشخيص فانس صحيح إلى حدّ كبير، وربط الخسارة بارتفاع أسعار الوقود، لكنه أكد أنه كان سيتخذ القرار نفسه لو عاد به الزمن.وكذلك وزير الخارجية ايضا يتهيأ للقفز من السفينة التي تنحدر نحو الغرق والرفض في دفع الفاتورة من رصيده السياسي وهو يقول خسرنا كل شي والحرب التي ارّقت جيب المواطن الأمريكي و كذلك الجهود الحثيثة لعزل وزير الدفاع بيت بيغيست وبسبب الكارثة التي كانت له اليد في حرب ايران.
الايرانيون هم من وضعوه في حجمه بصمودهم المذهل أمامه وبافعالهم لحلوله العسكرية والاقتصادية التي حاول إذلالهم بها، ثم جاء الأمريكيون يلقنوه الدرس ولتكملوا عليه باخرج الحزب الجمهوري من دائرة الصراع حسب اعترافه هو اي ترامب.لا يغلقوا باب الحرب في وجهه.حتي لا يجد خيار أمامهم سوي الاتفاق مع إيران.. وهو ما يوشك أن يفعله…
والزلزال الأخير هو ما أصاب الكيان الصهيوني وجمع المحللون والمراقبون على انّ التحوّل الحاصل في الولايات المتحدة بشأن العلاقة الأميركية ـ “الإسرائيلية”، والذي عكسته نتائج الانتخابات الأميركية النصفية، سيؤثر بشكل مباشر وعميق على “إسرائيل” وسياساتها. فما تشهده الساحة الأميركية اليوم من نقاشات ومطالبات بوقف المساعدات العسكرية او خفضها وتقييدها بشروط، ليس مجرد تراجع مؤقت في المساعدات الحيوية التي تعتمد عليها “إسرائيل” انما بشكل كبير، بل هو تحوّل استراتيجي في مرتكزات الدعم الأميركي لـ “إسرائيل”،
عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

