في هذا الملف ، لا يُحتجز البشر فقط… بل تُؤجَّل الحقيقة .
في كل مرة يُعلن فيها عن دفعة جديدة من الإفراجات ، يُعاد تقديم المشهد على أنه تقدّم في مسار إنساني طال انتظاره .
لكن خلف هذه الصورة ، تقف حقيقة أكثر صراحة :
هذا الملف لا يُحل… بل يُدار .
الإفراجات المتتالية ، رغم أهميتها الإنسانية ، لا تعكس إرادة حسم بقدر ما تعكس إدارة دقيقة لورقة شديدة الحساسية .
الأرقام ترتفع ، والضغط يتراجع نسبياً ، لكن جوهر القضية يبقى على حاله :
ملف مفتوح يُعاد تنظيمه ، لا إغلاقه .
وهنا ، لا بد من تسمية الأمور ضمن سياقها السياسي :
حين تكون القدرة على القرار متركزة في جهة بعينها ، فإن استمرار الملف لا يُفسَّر بالظروف وحدها ، بل يرتبط بطبيعة الخيارات المطروحة وكيفية استخدامها .
في المقابل ، لا يمكن تجاهل أن هذا الملف لا يُدار من طرف واحد فقط .
هناك أطراف أخرى حاضرة في مشهد التبادل والاحتجاز ، تتعامل مع الملف ضمن بيئة معقدة من التحديات الأمنية والسياسية .
لكن الفارق الجوهري لا يكمن في وجود الدور ، بل في حجم القدرة على الحسم واتساع هامش القرار .
من هنا ، فإن ما يُقدَّم على أنه “تقدّم تدريجي” يستدعي قدراً من الحذر في قراءته .
لأن ما يجري فعلياً هو تجزئة للحلول ، وإعادة توزيع للإفراجات بطريقة تُخفف الضغط دون أن تصل إلى نقطة الإغلاق النهائي .
كل دفعة جديدة تحمل بُعداً إنسانياً لا يمكن إنكاره ، لكنها في الوقت نفسه تؤجل السؤال الأهم :
ماذا عن البقية ؟
وماذا عن أولئك الذين لا يُعرف مصيرهم أصلاً ؟
هنا ، يبرز ملف المفقودين بوصفه الأكثر قسوة وتعقيداً .
فهذا الملف لا يتعلق فقط بغياب أشخاص ،
بل بغياب الإجابات نفسها .
وهو غياب لا يمكن تفسيره دائماً بالعجز ، بل يرتبط في كثير من الأحيان بحسابات سياسية دقيقة ، لأن كشف الحقيقة كاملة يفتح أبواباً حساسة يصعب التعامل معها في هذه المرحلة .
وفي موازاة ذلك ، يظهر ملف عودة المهجرين كجزء من الصورة ذاتها .
عودة العائلات ، رغم أهميتها ، تبقى مرهونة بشروطها الواقعية :
الأمن ،
الاستقرار ،
وضمان عدم تكرار أسباب التهجير .
فالعودة التي لا تستند إلى ضمانات مستدامة ، تظل عرضة للتراجع عند أول اختلال في التوازن .
إذا ما جُمعت هذه الملفات معاً الأسرى ،
المفقودون ،
والمهجرون يتضح أن المشهد لا يتجه نحو حل شامل ، بل نحو نمط من “إدارة الخلاف” طويل الأمد ، حيث يتم ضبط الإيقاع ومنع الانفجار ، دون الوصول إلى تسوية نهائية .
وفي هذا الإطار ، لا تُقاس الأمور بعدد من خرجوا من السجون ،
ولا بعدد العائدين إلى بيوتهم ،
بل بمدى وجود إرادة فعلية لإغلاق هذا الملف بالكامل .
وهنا ، يبقى السؤال مفتوحاً :
إذا كان القرار متاحاً…
فما الذي يؤخر استخدامه ؟
لأن الحقيقة الأكثر قسوة في مثل هذه الملفات ،
هي أن الإنسان ، في لحظة الصراع ، قد يتحول من قضية…
إلى ورقة ،
ومن غياب إنساني…
إلى حضور تفاوضي دائم .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي
بون – المانيا

