وطنٌ يحفر تحت نفسه – محمد ديب أحمد

في هذه البلاد ، لا تُبنى الأوطان فوق الأرض بقدر ما تُدار من تحت السطح ، حيث تتحول السياسة الى طبقات خفية تُعيد تشكيل الواقع بصمت .
وكلما ظن الناس أن حفرةً أُغلقت ، خرج خلدٌ جديد يحمل كومة تراب أخرى ، ويقنع الجميع أن  ما يفعله ضرورة وطنية ، أو حفاظ على السيادة ،
أو دفاع عن الوحدة الوطنية .
المشكلة أن الخلد ، كما يقول علماء الطبيعة ، مخلوق أعمى تقريباً .
لا يرى الشمس ، ولا يعرف شكل السماء ، لكنه بارع في الحفر ، وفي إفساد الأرض والزرع .
وهكذا تبدو السلطة في سوريا ، ومعها معظم الشركاء المفترضين في هذا الوطن :
لا يرون المستقبل ،
 ولا يريدون رؤية الحقيقة ، لأنهم ، بكل بساطة ، فقدوا البصر والبصيرة معاً .
لكنهم محترفون في الحفر تحت أقدام الجميع ، وفي تحويل البلاد إلى شبكة أنفاق سياسية وأمنية ، يقود كل نفق فيها إلى خوف جديد .
وفي مقدمة هذا الخوف دائماً…
 الكرد .
ليس لأن الكرد يملكون فائض قوة ،
ولا لأنهم احتلوا عاصمة أحد ،
بل لأنهم ، رغم التهميش والإنكار ، ما زالوا يصرّون على البقاء بأسمائهم الحقيقية .
وهنا تبدأ المأساة السورية بصورتها الأكثر سخرية ووضوحاً :
دولة تخاف من اسم قرية ، أو مدينة ، أو حتى من لفظ كلمة باللغة الكردية .
في العالم الطبيعي ، تُقاس قوة الدول بمؤسساتها ، واقتصادها ، وعدالتها ، وقدرتها على إدارة التنوع داخله .
أما هنا ، فما تزال المعارك الكبرى تُخاض ضد لافتة مكتوب عليها اسم كردي .
كوباني ليست مجرد مدينة بالنسبة لهؤلاء ، بل عقدة سياسية وثقافية .
مرة تصبح “عين العرب”، ومرة يحاول الخيال المؤدلج جرّها نحو “عين الإسلام”، وكأن المدينة يجب أن تمر بكل مراحل الصهر الممكنة حتى يُسمح لها بالبقاء داخل الخريطة الرسمية .
لكن القضية لم تكن يوماً قضية اسم فقط .
الاسم هنا اختصار لذاكرة كاملة ، ولتاريخ كامل ، ولشعبٍ لا يريد البعض الاعتراف بوجوده إلا بوصفه حالة مؤقتة أو تفصيلاً قابلاً للتعديل .
فالذي يخاف من اسم كوباني ، لا يخاف من حروف مكتوبة على لافتة ، بل من كل ما يمثله الاسم : اللغة ، والذاكرة ، والرواية ، وحق شعبٍ في أن يكون موجوداً باسمه الحقيقي .
ولأن هذا الخوف عميق ، تصبح عملية الحفر دائمة .
كلما أُغلقت ثغرة ، فُتحت عشرات الثغرات غيرها .
وكلما قيل إن هناك اتفاقاً جديداً ، ظهر قرار جديد ، أو مسؤول جديد ، أو خطاب جديد ،
يفرغ الاتفاق من مضمونه .
هكذا تتحول السياسة إلى جمهورية أنفاق وألغام : سطحٌ يتحدث عن الشراكة ، وباطنٌ يحفر ضدها .
توقيع رسمي فوق الطاولة ،
ومقصّ تحتها يقصّ كل ما كُتب .
مرة عبر تعيين رجالات السلطة في مناطق يفترض أنها تملك خصوصيتها الإدارية ،
ومرة عبر إعادة إنتاج المركزية القديمة بلباس ديني جديد ،
ومرة عبر التعامل مع الكردي كأنه مواطن تحت الاختبار ، لا يحق له الاطمئنان الكامل مهما قدّم من تضحيات .
وفي المقابل ، يُطلب من الكرد دائماً أن يثقوا ،
وأن يصبروا ،
وأن يثبتوا حسن النية الوطنية ،
وأن ينسوا أسماء مدنهم وقراهم أحياناً ، ريثما يُعاد ترتيب المشهد وفق الحسابات القديمة نفسها .
ثم يُطلب منهم الاقتناع بأن كل ما يحدث ليس استهدافاً ،
بل مجرد “سوء فهم تاريخي”.
لكن التاريخ لم يكن يوماً سوء فهم .
التاريخ كان مشروعاً متراكماً من الإنكار والصهر والتذويب .
مرة داخل البوتقة التركية ، حيث تحوّل الكردي إلى “تركي جبلي” لا أكثر .
ومرة داخل العقلية الفارسية التي أرادت كردياً منزوع الهوية القومية و السياسية .
ومرات داخل النسخة العربية من الدولة المركزية ، تلك التي كانت ترى في أي اعتراف بالكرد تهديداً لوحدة لم تنجح أصلاً في بناء نفسها .
ومع ذلك ، بقي هذا الشعب واقفاً بطريقة يصعب تجاهلها .
لا الجيوش أذابته ،
ولا الحدود مزّقته ،
ولا المجازر أسكتته .
من حلبجة إلى الأنفال ،
ومن السجون إلى المنافي ، كان المطلوب دائماً شيئاً واحداً : أن يختفي الكردي بهدوء داخل خرائط الآخرين .
لكنه لم يفعل .
بقيت اللغة حيّة رغم المنع ،
والأغنية حيّة رغم الخوف ،
والذاكرة حيّة رغم كل محاولات الاقتلاع .
وحين ضاقت الأرض ،
بقيت الجبال .
من جودي إلى قنديل ، ومن عفرين إلى ديريك ، كانت الجبال أكثر وفاءً للكرد من كثير من الشعارات السياسية .
كلما أُغلقت أبواب المدن ، فتحت الجبال طرقاً أخرى للحياة والبقاء .
وربما لهذا السبب تحديداً ما يزال الخوف منهم قائماً حتى اليوم .
ليس لأنهم الأقوى ،
بل لأنهم فشلوا في الانكسار الكامل .
وهذه ، في الشرق ، مشكلة لا تُغتفر لدى كثير من الأنظمة .
فالسلطات في منطقتنا قد تتسامح مع الفساد ، والخراب ، ومع الهزائم ، لكنها لا تتسامح بسهولة مع شعبٍ يحتفظ بذاكرته وهويته .
ولهذا لا تتوقف عملية الحفر .
حفرٌ في الجغرافيا عبر التعريب والتغيير الديمغرافي .
وحفرٌ في التاريخ عبر الإنكار وإعادة كتابة الروايات .
وحفرٌ في السياسة عبر تفريغ أي اتفاق من معناه الحقيقي .
وحفرٌ في الوعي عبر تحويل الكردي دائماً إلى مشروع خطر مؤجل .
في ذروة كل هذا ، تستمر السخرية السوداء .
سلطة تغيّر اسم قرية وكأنها حققت انتصاراً تاريخياً .
ومسؤول يلقي خطاباً عن الوحدة الوطنية، فيما هو عاجز عن الاعتراف حتى باللغة التي يتحدث بها ملايين المواطنين .
وأحزاب تتحدث عن الديمقراطية صباحاً ، ثم تكتشف مساءً أن المشكلة الكبرى في البلاد هي وجود اسم كردي على لافتة مدرسة .
او كتابتها بالأحرف الكردية او لغة الأم !
أي وطن هذا الذي يخاف من الأسماء ؟
وأي جمهورية هذه التي تقضي وقتها في مراجعة الخرائط أكثر مما تراجع خرابها الداخلي ؟
كيف يمكن بناء شعور وطني حقيقي بينما يشعر جزء كامل من الشعب أن وجوده نفسه ما يزال خاضعاً للتفاوض ؟
لا أحد يبني وطناً بالحفر تحت أقدام شركائه .
ولا أحد يصنع الاستقرار عبر إدارة البلاد بعقلية الثغرات والأنفاق .
الوطن ليس بياناً رسمياً ،
ولا شعاراً قومياً ،
ولا خريطة مرسومة بالقوة .
الوطن شعور بالأمان ، وبأن اسمك ليس تهمة ،
ولغتك ليست ملفاً أمنياً ،
 ومدينتك لن تستيقظ ذات صباح لتجد نفسها وقد تحولت بقرار سياسي إلى نسخة مشوهة من اسمٍ آخر .
 ما حدث في سوريا طوال عقود كان العكس تماماً .
كان هناك دائماً وطنٌ مؤجل للكرد : اعتراف مؤجل ،
وشراكة مؤجلة ،
وثقة مؤجلة
، وعدالة مؤجلة.
أما الحاضر ،
فكان دائماً مليئاً بالحفر .
وربما هذه هي المأساة السورية كلها في سطر واحد :
بلادٌ كان يمكنها أن تتحول إلى وطن يتسع للجميع ، لكنها أمضت قرناً كاملاً تحفر تحت نفسها ، حتى كادت تسقط في الحفرة التي حفرتها بيديها .
ومع ذلك ، ما يزال البعض يتعامل مع القضية الكردية بوصفها ملفاً قابلاً للإدارة المؤقتة ، لا قضية حقوق وشراكة فعلية .
 الشعوب التي دفعت كل هذا الثمن من الدم واللغة والذاكرة ، لا تعود إلى نقطة الصفر .
والكرد ، الذين نجوا من الإنكار والمجازر والصهر والتغيير الديمغرافي ، لن يقبلوا بعد اليوم أن يُطلب منهم الاكتفاء بدور المتفرج داخل وطن بقيوا فيه ، وابقوه في قلوبهم وضمائرهم  ، وساهموا في الدفاع عنه بقدر ما دافعوا عن وجودهم فيه .
الأوطان لا تُبنى بالخوف من الأسماء ،
 ولا بالحفر تحت أقدام الشركاء ،
 بل بالاعتراف المتبادل ، والعدالة ، والحقوق التي لا تُمنح بوصفها امتيازاً ،
 بل يُعترف بها لأنها حق .
وما عدا ذلك… لن يكون سوى وطنٍ يحفر تحت نفسه .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *