منذ عام 2003، والعراق يعيش تحت وهم كبير اسمه “الديمقراطية”.
يذهب الملايين إلى صناديق الاقتراع، يُنتخبون، يفرحون، ثم يصحون على حقيقة مُرة:
الحكومة لم تتغير… فقط تغيرت الأسماء على الأبواب.
فالعراق لا يحكمه نظام ديمقراطي حقيقي، بل نظام “محاصصة” مُتفق عليه مسبقاً، تحولت فيه الدولة إلى مجموعة جزر حزبية، كل جزيرة تحكمها عائلة سياسية، ووزاراتها “ميراث” لا يُنتزع، ومناصبها “غنيمة” لا تُشارك.
المحاصصة: عدو الديمقراطية الأول
في الديمقراطيات الحقيقية، يفوز حزب بأغلبية الأصوات، فيشكل الحكومة، وتصبح الأحزاب الأخرى معارضةً رقابية.
أما في العراق، فالأمر مختلف جذرياً:
رئاسة الجمهورية: حصة كوردية (بغض النظر عن الكفاءة)،
رئاسة الوزراء: حصة شيعية (بغض النظر عن البرنامج)،
رئاسة البرلمان: حصة سنية (بغض النظر عن التمثيل الحقيقي)،
الوزارات: تُوزع كـ”أنصبة” بين الأحزاب الكبرى، بغض النظر عن نتائج الانتخابات!
النتيجة؟
تغيير رئيس الوزراء لا يعني تغيير السياسة،
تغيير البرلمان لا يعني تغيير القوانين،
لأن الوزارات تظل في أيدي نفس الأحزاب، حتى لو تغير الوزير!
الأشخاص يتغيرون… لكن المحاصصة تبقى.
الفساد: ابن المحاصصة الشرعي
عندما تكون الوزارة “حزبياً” لا “وطنياً”،
فإن الأولوية تكون لـ:
توظيف أنصار الحزب،
توجيه العقود لشركات الحزب،
حماية مصالح قادة الحزب…
لا لخدمة الشعب!
ولهذا، يستمر الفساد في كل حكومة،
لأن المحاسبة مستحيلة عندما يكون الفاسد “شريكاً في السلطة”!
إقليم كوردستان: محاولة للخروج من المستنقع
في ظل هذا الفشل الذريع، يحاول إقليم كوردستان الانتقال من نموذج “المحاصصة” إلى نموذج “الأغلبية الحاكمة”، حيث:
الحزب الفائز بالأصوات هو الذي يشكل الحكومة،
والأحزاب الأخرى تصبح معارضة رقابية،
مما يخلق منافسة سياسية حقيقية، ومسؤولية واضحة.
لكن حتى هذا النموذج يواجه تحديات، لأن عقلية المحاصصة ما زالت راسخة في النفوس، وبعض الأحزاب ترفض أن تكون “معارضة”، بل تريد “نصيباً” في كل شيء!
الحل: ديمقراطية حقيقية… لا ديكور انتخابي
على العراقيين — عرباً وكورداً وسنة وشيعة — أن يدركوا أن:
الديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط…
بل نظامٌ يحاسب، ويغير، ويمنع الاحتكار.
ولتحقيق ذلك، يجب:
إلغاء نظام المحاصصة دستورياً وسياسياً،
ربط تشكيل الحكومة بنتائج الانتخابات فعلياً،
تفعيل دور المعارضة كسلطة رقابية حقيقية،
استقلالية القضاء لمحاسبة الفاسدين بغض النظر عن انتمائهم.
العراق لا يحتاج إلى “حكومة جديدة” بنفس الوجوه القديمة.
بل يحتاج إلى نظام جديد ينهي ثقافة “الغنيمة”، ويبني ثقافة “المسؤولية”.
الشعب يصوت… لكن المحاصصة تحكم.
فمتى يفهم السياسيون العراقيون أن الكرسي أمانة… لا ملكية؟
ومتى يدرك الشعب أن صوته لن يغير شيئاً… ما دام النظام نفسه باقياً؟
حتى ذلك اليوم،
سيبقى العراق جمهورية المحاصصة…
وليست جمهورية الديمقراطية.

