من انتفاضة 1991 إلى تصريحات ترامب… كيف تغيّرت السياسة الأمريكية تجاه العراق وكوردستان؟ /د.سوزان ئاميدي أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي في البيت الأبيض، التأكيد على موقفه المعروف بأن حرب العراق عام 2003 كانت خطأً استراتيجياً . وفي الوقت نفسه، ركّز حديثه على التعاون الاقتصادي والاستثمارات ومصالح الولايات المتحدة في العراق، أكثر من تركيزه على التحولات السياسية التي شهدها البلد منذ سقوط نظام صدام حسين. قد يبدو هذا التصريح بالنسبة للبعض مجرد تقييم سياسي لحرب أثارت جدلاً واسعاً ، لكنه بالنسبة للكثير من الكورد يثير تساؤلاً أعمق: هل تغيّرت أولويات الولايات المتحدة؟ وهل أصبحت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية تتقدم على المبادئ التي طالما رفعتها واشنطن، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى التاريخ. بعد انتفاضة آذار عام 1991، لم يحصل الشعب الكوردي على حماية دولية منذ اللحظة الأولى. فبعد انتهاء حرب تحرير الكويت، تُركت الانتفاضة تواجه مصيرها أمام آلة النظام العراقي. واضطر مئات الآلاف من الكورد إلى مغادرة مدنهم وقراهم والتوجه نحو سفوح الجبال والحدود التركية والإيرانية، في واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخ المنطقة. مات كثيرون بسبب البرد والجوع والمرض، بينما بقيت المدن والقرى خالية، وتعرضت الممتلكات للنهب والدمار. ولم يكن التدخل الدولي نتيجة خطة مسبقة لحماية الكورد ، بل جاء بعد أن نقلت وسائل الإعلام العالمية صور المأساة الإنسانية إلى العالم، فتعرضت الحكومات الغربية لضغط شعبي وسياسي كبير، مما أدى إلى إنشاء المنطقة الآمنة شمال العراق، وهي الخطوة التي سمحت بعودة مئات الآلاف من النازحين، ومهدت لاحقاً لقيام الإدارة الكردية. بعد اثني عشر عاماً ، جاءت حرب عام 2003 وأسقطت نظام صدام حسين. ورغم الجدل الكبير حول شرعية الحرب ونتائجها، فإنها شكلت بالنسبة للشعب الكوردي نقطة تحول تاريخية، إذ تُوجت بالاعتراف الدستوري بإقليم كردستان ضمن العراق الاتحادي في دستور عام 2005، بعد عقود من الإنكار والصراع والحروب. لكن المرحلة التي أعقبت سقوط النظام كشفت ايضاً عن إخفاقات كبيرة. فلم تتمكن الولايات المتحدة من بناء دولة عراقية قوية ومستقرة، بل برزت مشكلات الفساد وضعف مؤسسات الدولة وتزايد نفوذ القوى الإقليمية، حتى أصبح العراق ساحة لتقاطع المصالح الخارجية أكثر من كونه دولة تمتلك قرارها الوطني المستقل. ثم جاءت محطة أخرى كشفت طبيعة السياسة الأمريكية بصورة أوضح، وهي استفتاء استقلال إقليم كوردستان في 25 أيلول 2017. فقد اختار شعب كوردستان اللجوء إلى صناديق الاقتراع للتعبير عن إرادته بصورة سلمية، إلا أن الولايات المتحدة رفضت دعم نتائج الاستفتاء، وتمسكت بوحدة العراق، ودعت إلى الحوار مع بغداد بدلًا من الاعتراف بإرادة الناخبين. قد يكون لهذا الموقف تبريراته المرتبطة بالحفاظ على استقرار المنطقة، وتجنب صراع جديد، وحماية التوازنات الإقليمية، لكن الرسالة التي وصلت إلى قطاع واسع من الكورد كانت مختلفة ، فقد شعر كثيرون بأن حق تقرير المصير، الذي تدافع عنه الولايات المتحدة في حالات معينة، يصبح مسألة قابلة للتأجيل أو الرفض عندما يتعارض مع حساباتها الاستراتيجية. واليوم، عندما يصف ترامب حرب 2003 بأنها كانت خطأ، فإن هذا التوصيف قد يكون مفهوماً من زاوية المصالح الأمريكية وكلفة الحرب، لكنه لا يعكس الصورة الكاملة بالنسبة للكورد . فهذه الحرب، رغم ما حملته من أخطاء وتداعيات، أنهت ايضاً نظاماً مسؤولاً عن حملات الأنفال والقصف الكيميائي والتهجير القسري والانتهاكات الواسعة بحق الكورد وغيرهم من العراقيين، كما فتحت الباب أمام الاعتراف الدستوري بكيان كوردستان. إن التجربة العراقية خلال العقود الثلاثة الماضية تكشف حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن الدول الكبرى لا تدير سياساتها الخارجية وفق المبادئ وحدها، بل وفق ميزان المصالح. فالقيم المعلنة، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، قد تحظى بالدعم عندما تنسجم مع المصالح، لكنها تتراجع عندما تتعارض معها. وهذا لا يقتصر على الولايات المتحدة وحدها، بل يكاد يكون سمة عامة في سياسات القوى الكبرى. غير أن التجربة الكوردية تبقى مثالاً واضحاً على الفجوة بين الخطاب السياسي والممارسة العملية. فمن التخلي عن الانتفاضة عام 1991 قبل التحرك تحت ضغط الرأي العام العالمي، إلى رفض استفتاء 2017، وصولاً إلى الخطاب الأمريكي الحالي الذي يركّز على الاقتصاد والاستثمار أكثر من الحقوق السياسية، تبدو المصالح هي العامل الأكثر ثباتًا في السياسة الدولية. ويبقى السؤال الذي يستحق التأمل: هل تستطيع الشعوب الصغيرة أن تعتمد على وعود القوى الكبرى لتحقيق حقوقها، أم أن الضمانة الحقيقية لأي شعب تبقى في وحدته الداخلية، وقوة مؤسساته، وقدرته على بناء مستقبله بنفسه ؟.

