ليس في السياسة ما يمكن اعتباره مضموناً إلى الأبد ؛
لا بالنسبة إلى القوى الكبرى ، ولا الدول الصغيرة ، ولا حتى للتحالفات التي تبدو راسخة وكأنها صُنعت لتدوم .
فالمصالح تتغير ، والحسابات تتبدل ،
وما كان ضرورياً بالأمس قد يصبح عبئاً اليوم .
لكن هل يعني تغيّر قواعد اللعبة أن الخسارة أصبحت حتمية ؟
الأمر ليس كذلك بالضرورة .
ثمة من يقرأ التحولات مبكراً ويعيد حساباته قبل فرض الأمر الواقع ،
وثمة من يتمسك بما اعتاد عليه حتى يكتشف متأخراً أن الأرض تحت قدميه لم تعد كما كانت .
وتعد التجارب الأفغانية والفنلندية ، ومؤخراً ما يجري في العراق وإقليم كردستان ، نماذج تبيّن أبعاد هذه المسألة .
أفغانستان :
حين تنهار المؤسسات المعتمدة على الخارج !
أنفقت الولايات المتحدة مبالغ هائلة على بناء المؤسسات الأمنية الأفغانية ،
ودرّبت قواتها وسلّحتها على مدى سنوات .
مع ذلك ، انهارت الحكومة والقوات التابعة لها بسرعة لافتة في آب 2021 مع الانسحاب الأمريكي وعودة طالبان .
ولم يكن ما حدث مجرد نتيجة آلية لخروج القوات الأمريكية ، بل كشف عن مشكلات أعمق تتعلق بالاعتماد الكلي على الإسناد الخارجي ، وضعف القدرة على الاستمرار من دونه ، إلى جانب أزمات القيادة والشرعية .
وهنا يبرز السؤال :
كيف أمكن لبناء أمني استمر سنوات أن ينهار بهذه السرعة ؟
لقد بدا البناء متماسكاً على الورق ،
لكن الاختبار الحقيقي لم يكن في حجم الإنفاق أو العتاد ، بل في قدرة المنظومة على العمل عند تراجع الدعم الخارجي .
ثمة فارق جوهري بين وجود مؤسسات مدعومة من الخارج ، وامتلاك مؤسسات قادرة على الصمود بذاتها .
فنلندا :
إعادة تقييم الخيارات كضرورة استراتيجية على الجانب الآخر ، تقدم فنلندا مثالاً مختلفاً .
فقد حافظت لعقود على سياسة عدم الانحياز العسكري ، لكنها أعادت النظر في خياراتها بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط 2022 ، لتقدم طلب الانضمام إلى “الناتو” وتصبح عضواً رسمياً في نيسان 2023 .
لم يكن هذا التحول مجرد تبديل للمواقف ، بل استجابة واعية لتغير البيئة الأمنية . فقد أدركت القيادة الفنلندية أن استمرار السياسة القديمة لم يعد الخيار الأنسب لمرحلة جديدة .
والأهم أن هذا التغيير لم يُعامل كإهانة للماضي أو اعتراف بالفشل ، بل كمراجعة تفرضها الواقعية السياسية .
فليس مطلوباً من الدول التمسك بخياراتها القديمة لإثبات صحتها السابقة ، بل المطلوب معرفة متى تتغير الظروف بما يكفي لإعادة النظر فيها .
العراق وإقليم كردستان :
من يتحمل كلفة التحولات ؟
تزداد المسألة حساسية عند الانتقال إلى العراق وإقليم كردستان ، حيث يتغير شكل الوجود العسكري الأمريكي وتنسحب مهمات التحالف الدولي ، بينما تبقى التهديدات الأمنية قائمة .
وفي إقليم كردستان ، لا يمكن فصل هذه التحولات عن المخاطر المباشرة ، ولا سيما الهجمات بالصواريخ والمسيّرات المنسوبة إلى إيران أو فصائل متحالفة معها .
وهي هجمات أظهرت أن الاستقرار لا يُقاس بوجود المؤسسات فقط ، بل بقدرتها على حماية منشآتها وسكانها والتعامل مع التهديدات الحديثة .
هنا نطرح سؤالين متلازمين :
هل راعت ترتيبات التحول في الوجود الأمريكي حجم المخاطر التي قد يواجهها الحلفاء المحليون ؟
وهل أخذت حسابات القوى المحلية في الحسبان احتمال تغير أولويات الطرف الداعم ؟
لا يكفي تحميل واشنطن وحدها المسؤولية ولا إعفاؤها منها ؛
فمن حقها إعادة ترتيب أولوياتها ، لكن من حق شركائها التساؤل عن التفاهمات التي تحمي مصالحهم .
في المقابل ، لا تستطيع القوى المحلية التعامل مع الشراكة كضمانة أبدية ؛ فالسيادة ليست شعاراً أو وجوداً مؤسسياً على الأرض فحسب ، بل هي القدرة على تحمل المسؤوليات التي تفرضها الظروف .
معادلة الخسارة والتحول
تكشف الحالات الثلاث أن المشكلة تبدأ غالباً قبل تراجع الحليف بالأيام الآتية ؛ حين تُؤجَّل الأسئلة الصعبة ، ويُختزل الأمن في وجود قوة داعمة بدلاً من قراءة الواقع .
السؤال الأهم سيكون : “هل يمكن الوثوق بالحلفاء ؟” ، فالثقة المطلقة في السياسة قصور في الرؤية ، والشك المطلق لا يبني استراتيجية .
والسؤال الأجدى هو :
هل تقوم الشراكات على فهم واقعي لاحتمالات تغير المصالح ؟
وهل تستطيع الأطراف التمييز بين ما كان ممكناً بالأمس وما تفرضه المرحلة الجديدة ؟
ومن زاويتي أرى أن نجاح القيادة لا يُقاس بقدرتها على الاحتفاظ بخيارات الماضي ، بل بقدرتها على تمييز ما انتهى مفعوله وتغييره قبل فوات الأوان .
إذن نستنتج أن القوى لا تخسر دائماً لقلة المال أو السلاح ، بل لأنها تتأخر في فهم اللحظة التي بدأت فيها قواعد اللعبة تتغير ، وهو مربط الفرس .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

