مرصد الاعلام الفيلي
بدايةً، نود أن تعرفينا أكثر عن نفسك وكيف بدأت رحلتكِ مع التراث الشعبي والمقتنيات القديمة؟
ج/ بدايتي مع التراث والمقتنيات القديمة تعود إلى مرحلة الطفولة، فقد تأثرت كثيراً بجدتي (والدة أبي) التي جعلت من بيتها فضاءً مختلفاً ومليئاً بالتجديد مع المحافظة في الوقت نفسه على المقتنيات القديمة، نشأتُ في منزل واسع بمساحة 800 متر لكنه كان ممتلئ بالقطع التراثية والأثرية وكان ذلك عالماً خاصاً سحرني منذ الصغر، وكانت جدتي أول من شجعني على هذه المسيرة ثم جاء دعم أسرة والدي من عمي وعمتي حيث منحوني الثقة والدافع للاستمرار كذلك حظيت بتشجيع جدتي من جهة والدتي أيضاً وكان قربهم وتواصلهم الدائم معي دافعاً كبيراً، أما أول قطعة احتفظت بها فكانت “علبه” صغيرة خاصة بخيوط “الدكم والبكرات” تعود لعمتي رحمها الله، وقد جمعتها وعمري آنذاك 13 عاماً.
ما الذي دفعكِ للاهتمام بهذا المجال تحديداً هل هو شغف شخصي أم شعور بالمسؤولية تجاه الهوية الثقافية الكوردية؟
ج/ ليس مجرد شغف عام بالنسبة لي بل أعتبره شغفاً عائلياً وشخصياً وقد ولد من داخل العائلة نفسها، فقد كانت أسرتي تهتم كثيراً بالمقتنيات القديمة ومنذ طفولتي وأنا محاطة بهذا الجو، فقد كنت في الثامنة من عمري حين امتلكت أول قطعة مميزة بالنسبة لي وهي “كَلوني” من الحرير صنع في محافظة إيلام بإيران وما زلت أحتفظ به حتى اليوم وأحبه كثيراً، وطفولتي ارتبطت أيضاً بقطع الألعاب الكوردية القديمة وبالقصص الكوردية التي نقرأها ليلاً قبل النوم، وكل ذلك كان يغذي في داخلي هذا الشغف لذلك أقول دائماً إن البداية الحقيقية جاءت من العائلة فهي التي غرست في داخلي حب التراث والمقتنيات القديمة.
هل توجد مقتنيات أو قطع تراثية بعينها تُجسد خصوصية الهوية الكوردية وتميزها عن بقية المجتمعات في المنطقة؟
ج/ بالتأكيد أنا مهتمة بجمع القطع الكوردية فهي تأتي في مقدمة أولوياتي، لأن التراث الكوردي هو تراث أصالتي وقوميتي وجذوري العائلية، فأهلي من جهة والدي ووالدتي وكذلك من جهة زوجي جميعهم من الكورد، ولذلك أحمل هذا الشعور القومي بداخلي وبعد ذلك أحرص أيضاً على جمع القطع العراقية بشكل عام.
أثناء تجوالك بين العراق وإيران ما أبرز الفروقات أو أوجه التشابه التي لاحظتيها في طريقة التعامل مع التراث الشعبي؟
ج/ أي كوردي أصيل في العراق يشعر بانتمائه العميق إلى التراث الإيراني وأقول ذلك بكل وضوح وشجاعة، لأن قبائلنا وجذورنا ممتدة ومرتبطة بإيران وهناك الحصن الحقيقي للتراث الكوردي، فإيران وثقت معظم موروثنا الشعبي عبر مركز للأبحاث والتراث في كرماشاه حيث حُفظت تفاصيل دقيقة عن حياتنا وثقافتنا، وإذا ما نظرنا إلى مناطق الشريط الحدودي مثل بدرة وزرباطية ومندلي وخانقين نجدها على تماس مباشر مع هذا الإرث إذ تشترك في نفس الموروث الكوردي – الإيراني بل وحتى داخل إقليم كوردستان نرى امتداد هذا الارتباط الثقافي واللغوي سواء عبر اللغة واللهجات أو الملابس والمقتنيات أو تقاليد الأعراس والفنون الشعبية من “الهور والمور” إلى الموسيقى لتتجلى وحدة التراث الكوردي في كل هذه الأبعاد، فالتراث الشعبي الكوردي مهما تفرقت جغرافيته يبقى تراثاً واحداً مشتركاً.
هل تلقيتِ دعماً من مؤسسات حكومية أو منظمات ثقافية في هذا المجال أم أن جهودكِ قائمة على مبادرات شخصية؟
ج/ لم أتلقى أي دعم في مسيرتي ولم آخذ شيئاً من أحد ولم تكن لي في يوم من الأيام أي ارتباطات مع أي جهة سياسية، أنا مستقلة تماماً وكل ما حققته هو بجهودي الشخصية الخالصة دون أي دعم من أي طرف.
كيف ترين دور المرأة الكوردية في الحفاظ على التراث ونقله للأجيال القادمة؟
ج/ بالنسبة للمرأة الكوردية سواء في العراق أو إيران فهي امرأة محترمة ولها دور قوي في المجتمع، المرأة الكوردية لم تتعرض عبر التاريخ إلى ضغوطات أو قيود بل على العكس الكورد دائماً يبدون احترامهم للنساء وفي الوقت نفسه المرأة الكوردية تحترم نفسها وتمنح ذاتها قيمة كما أن عائلتها تمنحها هذه المكانة أيضاً، وأنا شخصياً أستذكر والدي الذي توفي قبل سنتين، فقد كنت أقبل يده كلما رأيته احتراماً له وهو بدوره كان داعماً لي حتى آخر لحظة من حياته ويشجعني في اهتمامي بالأنتيكات ويتابع فيديوهاتي على الإنترنت ويناقشني بها، والدي الذي كان من القيادات البارزة في الحزب الشيوعي، كان شخصية متفهمة ومنفتحة وهذا مثال يعكس صورة عامة فجميع النساء الكورديات لهن أدوارهن وإن شاء الله سيكون لهن دور أكبر وأوسع في المستقبل.
كيف تتوقعين مستقبل التراث الشعبي في ظل التغيرات السريعة والتحولات الاجتماعية الحديثة؟
ج/ للأسف في العراق لم يتم توثيق التراث الشعبي بشكل جاد ونحن ككورد نعيش داخل العراق نفتقد إلى مصادر أو مراجع تهتم بهذا الجانب، لذلك اعتمدت على ما تعلمته من جدتي ومن عائلة والدي ووالدتي وأحرص على توثيقه ودعمه بالاستعانة بما هو موجود في التراث الكوردي من خلال رحلاتي وبحوثي في إيران، وإن بقاء التراث الشعبي دون توثيق يهدد مستقبله بالاندثار ولهذا أسعى إلى تسجيل أكبر قدر ممكن من المعلومات التي أعرفها ما دمت أتمتع بالصحة والعافية وأتمنى أن أوثق كل ما أستطيع قبل أن يرحل بي العمر.
ما هي الرسالة التي تودين إيصالها بشأن أهمية الحفاظ على التراث والهوية الثقافية ولا سيما التراث الكوردي؟
ج/ أتمنى كل الخير للشباب الكورد سواء في بغداد أو خارج الإقليم، وأود أن أؤكد أن الأجيال السابقة بذلت جهداً كبيراً في الحفاظ على اللغة والأصالة والتراث، واليوم حين أرى منشورات الشباب على الإنترنت أشعر بالفخر لكن أتمنى أن ترافق هذه المنشورات الموسيقى الكوردية الأصيلة وأن لا يتم إدخال ما لا يمت لتراثنا وهويتنا بصلة، وأهم ما أتمناه من جيل الشباب هو الحفاظ على اللغة والأزياء والعادات والتقاليد، فهي التي تشكل الهوية الكوردية الحقيقية، كما أؤكد على أهمية الترابط الاجتماعي والمصاهرة فيما بينكم فهذا عامل أساسي للحفاظ على الدم الكوردي وتعزيز وحدة المجتمع، ومن الضروري أن يطور الشباب أنفسهم وينفتحوا على العالم لكن بشرط أن لا يتخلوا عن هويتهم لأن الهوية تُصان فقط بالتمسك باللغة والتراث والأصالة.
كلمة تودين توجيهها إلى جمهورك ومتابعيك من خلال هذا اللقاء؟
ج/ أود أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لكل من يتابعني وأتمنى من الله أن يحفظهم ويبارك فيهم وأقول لجمهوري الكريم من الكورد وغير الكورد إن التراث هو الهوية وهو الأصالة، ومهما تطور الزمن وتعددت وسائل التواصل والبرامج الحديثة، يجب ألا يدفعنا ذلك للتخلي عن هويتنا بل علينا أن نتمسك بتراثنا وتاريخنا لأنه يمثل جذورنا الحقيقية، وإن الانفتاح والتواصل مع الآخرين أمر مهم لكن في الوقت نفسه هناك محاولات خارجية لطمس الهوية وسلب الانتماء وصهر المجتمعات في قالب واحد مما قد يؤدي إلى ضياع تاريخنا وأصالتنا، في الختام أتوجه بجزيل الشكر لكل من منحني هذه الفرصة ولكل من يساندني في مسيرة الحفاظ على التراث والهوية.

