القضية الكردية في شرق كوردستان بين الاحتجاجات الإيرانية ومأزق المشاركة السياسية: د. صلاح ره شفاني

 قراءة نقدية في ضوء التجربة التاريخية

مقدمة

تشهد إيران منذ سنوات موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية على خلفيات اقتصادية، اجتماعية، وسياسية، يقابلها النظام بقمع واسع النطاق، أسفرفي كل مرة عن مئات القتلى وآلاف المعتقلين. ورغم أن هذه الاحتجاجات تُقدَّم في الإعلام العالمي على أنها حراك وطني شامل، فإن المناطق الكوردية (شرق كوردستان) غالبًا ما تُهمَّش في التغطية الإعلامية، رغم أنها من أكثر المناطق عنفا وتضررًا من سياسات القمع والإقصاء.

يهدف هذا المقال إلى تحليل موقع الكرد في هذه الاحتجاجات، وطرح مقاربة نقدية لمشاركة الكورد فيها، بالاستناد إلى التجربة التاريخية، والواقع السياسي، وموازين القوى الإقليمية والدولية.

أولًا: واقع القمع في المناطق الكردية

تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية، مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، إلى أن المناطق الكوردية تتعرض لقمع أشد حدة بل وحشية مقارنة بالمناطق الأخرى ذات الأغلبية الفارسية والمدن المركزية

وتُسجَّل في المدن والأرياف الكوردية نسب أعلى من:

الإعدامات خارج إطار المحاكمات العادلة

الاعتقالات التعسفية

عسكرة الحياة المدنية

المتعمد بدوافع عنصرية معادية للوجود الكوردي. الفقر البنيوي والإهمال التنموي

كما تؤكد تقارير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران أن الكورد يعانون من تمييز ممنهج في مجالات التعليم، اللغة، التوظيف، والتنمية.

هذه الوقائع ليست طارئة، بل ممتدة منذ عام  1947 واتسعت عموديا منذ سنة 1979، حين واجه نظام الملالي الإيراني الوليد المطالب الكوردية بالحكم الذاتي بحملات عسكرية واسعة (1979–1983)، ما خلّف آلاف القتلى والمهجّرين وجرائم ملاحقة وإغتيالات قادة الحركة الكوردية في فيينا و برلين.

ثانيًا: إشكالية المشاركة الكوردية في الاحتجاجات الإيرانية.

من الناحية النظرية، قد تبدو مشاركة الكورد في الاحتجاجات الإيرانية عملاً تضامنيًا مشروعًا مع باقي الشعوب المضطهدة. إلا أن التحليل الواقعي يُظهر إشكالية عميقة، تتمثل في:

    عدم وجود ضمانات سياسية

التجربة التاريخية (في إيران، العراق، سوريا، تركيا) تثبت أن القوى المركزية المعارضة للأنظمة السابقة لا تعترف بالحقوق القومية للكورد بعد وصولها إلى السلطة.

   :المادية  اختلال ميزان التضحيات البشرية و الخسائر

في كل موجة احتجاج، تدفع المناطق الكوردية ثمنًا مضاعفًا من حيث القتل، الاعتقال، والتدمير، مقارنة بالمناطق الفارسية.

 

غياب المشروع الكوردي المستقل داخل الحراك:

المشاركة الكوردية لاتزال – ومع الأسف المؤلم –  بلا قيادة موحدة أو برنامج قومي واضح، ما يجعلها وقودًا لحراك لا يخدم بالضرورة القضية الكوردية بل ينقلب عليها بالويلات.

تجربة ما بعد 1979 في إيران، وما بعد 2011 في سوريا، وما بعد 2003 في العراق، وما بعد 2015 في تركيا، كلها تؤكد نمطًا واحدًا:

التحالف مع المركز ضد النظام ينتهي دائمًا بإعادة إنتاج القمع ضد الكورد

الكورد كـ “الخاصرة الرخوة” بعد سقوط الأنظمة السابقة يروج ضدهم ويظهرونهم كمجموعة خارجه عن القانون

يشترك الكورد في الدول الأربع (إيران، تركيا، العراق، سوريا) في كونهم:

والأمثلة الحية في وقتنا المعاصر: موزعين جغرافيا. أقلية قومية بلا دولة

في إيران بعد الثورة

في العراق بعد 1956 إنهيار العهد الملكي 156 وسقوط صدام (قبل 1991)

في سوريا بعد اندلاع الثورة

في تركيا خلال عملية السلام ثم الانقلاب عليها

هذه الوقائع تجعل من الكورد هدفًا سهلًا للقمع، دون كلفة سياسية كبيرة على الأنظمة يرافقه تعتيم إعلامي محلي وإقليمي وعالمي.

نقد شعار: الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكوردستان. الذي كان ولا يزال يروج له بعض الساسة الكورد، وتجعل بعض الأحزاب والكتل السياسية الكوردية شعارا لها.

غير أن هذا الشعار يصطدم بثلاث حقائق تاريخية:

كما أن: أولا: لا توجد ديمقراطية مركزية ضمنت حقوق الكورد في أي من الدول الأربع

الدساتير الديمقراطية الشكلية لم تمنع القمع القومي (تركيا مثالًا)

. السلطة المركزية، مهما تغيّر شكلها، تعتبر المطالب الكوردية تهديدًا وجوديًا

وعليه، فإن الرهان على ديمقراطية المركز ثبت فشله مرارًا

البديل الاستراتيجي – نحو مشروع قومي كردي مستقل في شرق كوردستان

في ضوء ما سبق، أطره وجهة نظري في هذا المقال مقاربة بديلة تقوم على:

تشكيل جبهة قومية كردستانية موحّدة في شرق كردستان

تضم:

الأحزاب السياسية

المنظمات المدنية

النخب الأكاديمية    القيادات الاجتماعية

. توحيد الخطاب حول هدف سياسي واضح

الحق في تقرير المصير، وصولًا إلى كيان كوردستاني مستقل عن إيران

العمل الدبلوماسي المنظم مع: الولايات المتحدة الأمريكية، إسرائيل، الإتحاد الأوربي مع تقديم إغراءات لضمان مصالح هذه الدول النافذة وبناء تحالف إستراتيجي ذو مصالح مشتركة بعيدة الأمد معها يكون بديلا عن حكومات غير مضمونة الولاء كما في بغداد وطهران ودمشق وأنقرة مع أخذ المخاطر الدائمة التي تتعرض لها إسرائيل من قبل دول المنطقة.

وأيضا تركيز تقديم المذكرات والتقارير إلى المنظمات الدولية، والمؤسسات العالمية ذات العلاقة

وذلك ليس من باب الوهم والخيال، بل استنادًا إلى

سوابق الاعتراف الدولي (كوسوفو، جنوب السودان)

واقع توازن القوى في الشرق الأوسط

الموقع الجيوسياسي لكوردستان

سادسًا: الواقعية السياسية بدل العاطفة الثورية

التجربة الكردية الممتدة لأكثر من مئة عام تثبت أن:

    الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع عبر مشروع سياسي منظم، لا عبر الذوبان في مشاريع الآخرين

إن استمرار الكرد في لعب دور “الوقود الثوري” للآخرين، دون مقابل سياسي واضح، يعني إعادة إنتاج المأساة نفسها.

خاتمة

إن المأساة الكوردية في شرق كوردستان ليست نتاج نظام بعينه، بل نتاج بنية إقليمية كاملة تشمل دول تنكر وجود الكورد

ومن هنا، فإن المشاركة غير المشروطة في الاحتجاجات الإيرانية، دون مشروع قومي مستقل، لا تخدم القضية الكوردية، بل على عكس ذلك تماما تعرّض الشعب الكوردي لمزيد من الاستنزاف ويمتد ضررها إلى جميع ربوع كوردستان.

الطريق الأكثر عقلانية، وفق منطق السياسة لا العاطفة:

بناء جبهة كوردية موحدة، صياغة خطاب استقلالي واضح، والانخراط في عمل دبلوماسي دولي وعالمي مؤسساتي يؤديه يتمتعون باللكفاءات الغوية، والثقافة التاريخية، والقدرة على الإستمرارية بإخلاص وتفاني ووعي تام. كورد

بإسم كوردستان، بإسم إيران.

د. صلاح ره شفاني

13/ يناير 2026