في سوريا والمنطقة عموماً ، وفي بيئتنا العربية كما في بيئتنا الكردية ، كلمات كثيرة تُقال في لحظات الغضب ، وقد تمرّ كأنها مجرد عبارات عابرة .
لكن بعض الكلمات تستحق أن نتوقف عندها ، لا لنحاكم قائلها ، بل لنسأل :
من أين جاءت ؟
ولماذا بقيت حاضرة في كلامنا ؟
من أكثر ما يلفتني في هذا السياق كلمة «الذبح» .
لماذا يقول شخص :
«سأقتله»، بينما يقول آخر :
«سأذبحه» ؟
القتل هو النتيجة ، أما الذبح فهو طريقة وصورة ومشهد . لذلك يبدو أن اختيار كلمة «الذبح» لا يخلو من دلالة ، حتى لو لم يكن المتحدث يقصد تنفيذها حرفياً .
هذه المفردة ذائعة في بعض البيئات واللهجات العربية ، وتظهر في الحديث الشعبي ، وفي المشاجرات ، وفي الحكايات ، بل نجدها أيضاً في كثير من الأعمال الدرامية ، ولا سيما الأعمال التي تستحضر البيئات البدوية والريفية ، وحتى في بعض البيئات المغلقة داخل المدن .
وقد تأتي بصيغ أكثر قسوة ، من قبيل التهديد بفصل الرأس عن الجسد .
السؤال هنا ليس :
هل كل من يقول «سأذبحك» يريد فعلاً أن يذبح ؟
السؤال هو :
لماذا أصبحت صورة الذبح حاضرة أصلاً في لغة التهديد ؟
فالكلمات لا تولد دائماً من فراغ . وراءها بيئة ، وموروث ، وذاكرة اجتماعية ، وتجارب تاريخية ، وأحياناً عادات في الحياة اليومية تتحول مع الزمن إلى صور لغوية .
هنا يبدأ البحث الحقيقي .
هل يمكن أن تكون للبيئات الرعوية والبدوية القديمة ، حيث كان ذبح المواشي والنحر جزءاً من الحياة اليومية ، علاقة ببقاء هذه المفردات والصور في الذاكرة الشعبية ؟
وهل لعبت مفاهيم الثأر والانتقام والشرف والعقوبة في بعض المجتمعات القديمة دوراً في جعل الذبح أكثر حضوراً في لغة التهديد ؟
لا أقول إن هذا هو التفسير النهائي ، ولا أريد أن أحوّل الاحتمال إلى حقيقة .
لكنه سؤال يستحق البحث .
والأمر الأكثر إثارة أن المسألة لا تتوقف عند اللغة .
ففي المنطقة نفسها شهدنا ، في مراحل مختلفة ، جرائم لم يكن فيها القتل مجرد إنهاء لحياة الضحية ، بل اختيرت فيها وسائل أكثر قسوة ، مثل الذبح أو قطع الرأس .
وفي بعض الحالات جرى تصوير هذه الأفعال وتداولها ، وكأن الجريمة لم تعد موجهة إلى الضحية وحدها ، وإنما أصبحت رسالة إلى الآخرين أيضاً .
هنا يصبح السؤال أكثر صعوبة :
لماذا يختار المجرم هذه الطريقة تحديداً ؟
قد يكون الهدف الإذلال ، أو الانتقام ، أو الترهيب ، أو إظهار القوة ، أو إرسال رسالة إلى مجتمع أو جماعة أخرى .
أي أن الذبح في هذه الحالات لا يعود مجرد وسيلة للقتل ، بل يحمل معنى إضافياً .
وهنا لا ينبغي أن نخلط بين الكلمة والفعل .
ليس كل من يقول «سأذبحك» يقوم بعملية ذبح ، كما أن الكلمة وحدها لا تصنع الجريمة .
لكن تكرار صورة معينة في اللغة والثقافة الشعبية يجعل من المشروع أن نسأل عن جذورها ، وعن سبب بقائها ، وعن المسافة بين الصورة التي تحملها الكلمة وبين بعض صور العنف التي رأيناها في الواقع .
وإذا كنا نريد أن نفهم مجتمعاتنا ، فعلينا أحياناً أن نقرأ ما تقوله في لحظات الغضب ، كما نقرأ ما تقوله في لحظات الهدوء .
وقد تكون المقارنة بين البيئات العربية والكردية مفيدة هنا أيضاً ، ليس لإدانة بيئة أو تبرئة أخرى ، وإنما لمعرفة كيف تعبّر كل ثقافة عن الغضب والانتقام والقتل ، وما المفردات والصور التي ورثتها .
فالكلمة قد تكون مجرد كلمة ، وقد تكون في الوقت نفسه نافذة صغيرة على ذاكرة أكبر منها .
ولذلك لا أريد أن أقول إن «سأذبحك» تعني بالضرورة أن صاحبها سيذبح ، ولا أن أحمّل العرب كلهم مسؤولية العنف ، فهذا ليس موضوع المقال .
الموضوع أبسط وأعمق :
لماذا نقول «سأذبحك» بدلاً من «سأقتلك» ؟
ومن أين جاءت هذه المفردة ، وكيف بقيت حية في كلامنا ودرامانا ومخيلتنا الشعبية ، ولماذا نجد أحياناً أن الصورة التي تحملها الكلمة خرجت من الكلام إلى الواقع ؟
أنا هنا لا أتبنى الكلمة ، ولا أدين قائلها .
أنا أحلل .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

