بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
في مجلس دافئ يضم كبار السن من الأخيار، كانت الأحاديث تتنقل بين الذكريات والحكايات، تتخللها فناجين القهوة والشاي و«النومي بصرة». وفي ذلك المجلس كان يحضر «وحيد»، مفتول العضلات، ذو سمرة طاغية وقامة قصيرة، وكان يُستقبل كما لو كان واحدًا من علية القوم: «هذا زلمة ))
كنت صغيرًا يومها، أقدّم الضيافة وأستمع إلى الأحاديث. وكان «وحيد» معروفًا بالحرمنة، تُروى قصص سرقاته أمامه، وكأنها مواقف تستحق التندر والإعجاب، حتى أصبح الأمر مصدر فخر له. وكان هناك آخرون على شاكلته، مثل ذلك «الحوّاف» الذي كانت له حكاياته أيضًا. ومع ذلك، كانوا لا يسرقون من أهل قريتهم، ولا يتعرضون لأحد بسوء.
لكن ذاكرتي ما زالت تحتفظ بحادثة وقعت قبل نحو خمسة وستين عامًا. استيقظ أبي ذات ليلة غاضبًا، فقد دخل اللصوص إلى بيتنا وأخذوا ساعته وخمسة دنانير. لم يكن الألم في قيمة ما سُرق، بقدر ما كان في «دوسة البيت»، و أن تمتد يد غريبة لبيت آمن وتنتهك خصوصيته. والأشد ألمًا أن السارق كان قريبًا لنا، سبق أن أحسن أبي إليه.
كنا يومها نرى السرقة جريمة، ونشعر بالخزي ممن يرتكبها، حتى لو كانت المسروقات ساعة وخمسة دنانير. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد، وأصبح لبعض السارقين وجه آخر؛ فقد يسرق أحدهم مال الوطن، ويستهلك موارده، ثم يصبح صاحب مال ونفوذ ومكانة اجتماعية، ويُستقبل في المجالس ويحظى بالاحترام والتقدير.
إن المؤلم ليس في أن بيننا سارقًا، وإنما في أن نعرف حقيقته، ثم نمنحه المكانة والاحترام. وما يدمي القلب أن بعض الذين سرقوا أصبحوا موضع تقدير، يُدعون إلى المناسبات، ويُحتفى بهم، ويستقبلهم «المهاويل» وهم يعرفون جيدًا من أين جاءت أموالهم.
فإذا كانت ساعة وخمسة دنانير قد جعلتنا نغضب من «وحيد»، فكيف نقبل بمن يسرق مال الوطن ويحرم الناس من حقوقهم، ثم يدخل بيوتنا ومجالسنا مرفوع الرأس؟
إن المال العام المسروق ليس مجرد أرقام تُنهب من خزينة الدولة؛ إنه مستشفى لم يُبنَ، ومدرسة لم تُشيّد، ومريض حُرم من العلاج، وجائع لم يجد ما يسد به رمقه، ويتيم حُرم من الرعاية، وعائلة بقيت عاجزة عن حل أزمتها السكنية.
والحرامي يبقى حراميًا، مهما تغيّرت الألقاب، ومهما تضخمت الثروة، ومهما اتسع النفوذ، ومهما علت القصور والمزارع والمسابح، ومهما ارتفعت أصوات التصفيق من حوله.
إن واجبنا أن نقف بوجه من يأخذ مالًا ليس له، وألا نحترم الحرامي من أجل ماله، ولا نصفق لنفوذه، ولا نتبع الباطل مهما كان صاحبه، فالمكانة الحقيقية لا تُشترى بالمال الحرام.
قال تعالى:
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾.
فالمشكلة ليست في أن يوجد حرامي، وإنما في أن نعرف أنه حرامي… ثم نحبه

