ما لا يظهر في البيانات … يظهر في النتائج  – محمد ديب أحمد

من يصنع القرار الذي يحدد شكل الدولة ، ويرسم حدود الحقوق ، ويقرر من يشارك في صناعة المستقبل ، ومن يبقى خارج دائرة القرار ؟
قد يبدو السؤال بسيطاً ، لكنه في الحقيقة يمس جوهر السياسة .
 فالقرار السياسي لا يبدأ لحظة توقيع ورقة ، ولا ينتهي لحظة صدور بيان .
 قبله هناك من يملك المعلومات ، ومن يملك القدرة على التفاوض ، ومن يملك مفاتيح القوة ، ومن يجلس حول الطاولة ، ومن يبقى خارجها .
وبعد القرار هناك مجتمع كامل يعيش نتائجه .
وهنا تكمن المفارقة :
الذين يصنعون القرار ليسوا دائماً هم الذين يدفعون ثمنه .
قد يُتخذ قرار في غرفة مغلقة خلال ساعات ، لكن آثاره قد تمتد سنوات .
قد يغيّر قانوناً ، أو يعيد توزيع السلطة ، أو يحدد علاقة المركز بالمناطق ، أو يقرر حقوق جماعة كاملة . ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط :
 من وقّع ؟
بل : من صنع القرار ؟
ومن شارك فيه ؟
ومن غاب عنه ؟
وما المصالح التي حكمته ؟ ومن يتحمل مسؤوليته عندما تظهر نتائجه ؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية في سوريا ، لأن البلاد لا تقف أمام قرار إداري عابر ، بل أمام محاولة إعادة بناء دولة أنهكتها الحرب والانقسام ، وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها .
وفي مثل هذه الحالة ، يصبح أخطر ما يمكن فعله هو اختزال السياسة في الأشخاص .
فالشخص قد يشغل منصباً اليوم ويغادره غداً ، وقد تتغير التحالفات وموازين القوة ، لكن القرارات التي تُثبت في الدستور والقانون والمؤسسات تبقى أطول من أصحابها .
من هنا يبدأ الفرق بين قرار يصنعه الأشخاص ، ودولة تصنعها المؤسسات .
فإذا كان مستقبل منطقة أو مكوّن أو جماعة مرتبطاً بإرادة شخص أو تفاهم مؤقت ، فإن ما نملكه ليس حقاً مستقراً ، بل مساحة سياسية قابلة للتغيير مع تغير الظروف .
أما عندما يتحول الحق إلى نص دستوري ، وقانون واضح ، ومؤسسة قادرة على حمايته ، فإننا ننتقل من منطق التفضّل إلى منطق المواطنة .
وهنا تأتي القضية الكردية في صلب هذا النقاش .
فوجود كردي في موقع سياسي أو عسكري قد يكون مهماً ، لكنه لا يعني أن القضية الكردية قد حُسمت .
 المناصب مرتبطة بأشخاص ومراحل وموازين قوة ، بينما الحقوق التي تحميها القوانين والدساتير تتجاوز الأشخاص .
المناصب أشخاص ، أما الحقوق فهي مؤسسات وقوانين .
ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون :
كم منصباً حصل عليه الكرد ؟
بل : ماذا دخل إلى الدستور ؟
ماذا أصبح قانوناً ؟
وما الذي أصبح حقاً لا يستطيع أي مسؤول أن يسحبه بقرار او مرسوم  جديد ؟
وهذه ليست قضية كردية وحدها .
إنها مسألة تتعلق بكيفية بناء الدولة السورية الجديدة .
فإذا كانت الدولة تريد فعلاً تجاوز الماضي ، فعليها أن تجيب بوضوح عن سؤال السلطة :
من يقرر ؟
وكيف توزع الصلاحيات ؟
 وكيف يشارك المواطنون والمناطق والمكونات في صناعة القرار ؟
فاللامركزية ليست مجرد مصطلح إداري ، كما أن المركزية ليست وحدها تعريفاً لوحدة الدولة .
القضية أعمق :
 أين يُصنع القرار ، ومن يملك القدرة على التأثير فيه ؟
قد تكون الدولة واحدة ، بينما تتوزع الصلاحيات داخلها .
 وقد تكون القوانين موحدة ،
 لكن الإدارة أقرب إلى المواطن . وقد يحافظ البلد على وحدته ، من دون أن يعني ذلك أن كل قرار يجب أن يولد في مركز واحد .
الوحدة ليست بالضرورة احتكاراً للقرار .
وكذلك الاعتراف بالتنوع لا يعني تفكيك الدولة .
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول «وحدة الدولة» إلى مبرر لإبعاد الآخرين عن صناعة القرار ،
 أو عندما تصبح «المصلحة الوطنية» عبارة واسعة يُتخذ باسمها القرار من دون أن يعرف المجتمع كيف صُنع .
لا أحد يطالب بأن تجري كل المفاوضات السياسية أمام الكاميرات .
 للسياسة أسرارها ،
 وللتفاوض ضروراته .
لكن هناك فرق بين سرية التفاوض وغياب الشفافية عن النتيجة .
فالمجتمع ليس مطالباً بأن يعرف كل ما يجري خلف الأبواب ، لكنه من حقه أن يعرف ما الذي تقرر عندما يتعلق الأمر بمستقبله وحقوقه وشكل دولته .
وهنا يصبح الدستور هو الاختبار الحقيقي .
فالبيانات تستطيع أن تتحدث عن الوحدة والشراكة والسلام والاستقرار ، لكن الكلمات لا تصبح واقعاً إلا عندما تتحول إلى نصوص وقوانين ومؤسسات .
والمواطن لا يعيش في البيانات .
المواطن يعيش في نتائجها .
إذا قيل للكرد إن حقوقهم محفوظة ، فالسؤال الطبيعي ليس : من قال ذلك ؟
بل : أين هي في الدستور ؟
أين هي في القانون ؟
 ومن يضمن عدم التراجع عنها ؟
وإذا قيل للسوريين إن الدولة الجديدة ستكون مختلفة ، فالسؤال ليس فقط : من يحكم ؟
بل : كيف تُحكم سوريا ؟
هل تُحكم بالأشخاص أم بالمؤسسات ؟
بالتفاهمات المؤقتة أم بالقواعد الدستورية ؟
بموازين القوة أم بموازين الحقوق ؟ وهل يكون المواطن شريكاً في صناعة القرار ، أم مجرد متلقٍ لنتائجه ؟
فالقرار السياسي الحقيقي لا يُقاس فقط بقدرة صاحبه على اتخاذه ، وإنما بقدرته على تحمل نتائجه ، وبما يتركه خلفه من قواعد ومؤسسات تستطيع الاستمرار بعد رحيله .
من هنا فإن أخطر القرارات ليست فقط تلك التي قد تكون خاطئة ، بل تلك التي تُصنع بعيداً عن أصحاب المصلحة فيها ، ثم يُطلب منهم لاحقاً أن يدفعوا ثمنها .
والذين يعيشون نتائج القرار يجب أن يكون لهم صوت في صناعته .
والذين يدفعون ثمنه لا ينبغي أن يكونوا آخر من يعرف به .
في النهاية ، السياسة ليست فقط أن تعرف من يملك القرار ، بل أن تعرف أيضاً لمن يُصنع القرار ، ومن يغيب عن صناعته ، ومن يدفع ثمنه عندما ينتهي التصفيق وتبدأ النتائج .
عندها فقط يمكن أن نعرف إن كنا أمام تغيير حقيقي في قواعد اللعبة ، أم مجرد تغيير في اللاعبين  .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *