التوحّد في العراق.. أطفال يحتاجون إلى رعاية لا إلى إهمال- بقلم: صبيح الكعبي

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾

خلف كل طفل مصاب بالتوحّد أسرة تخوض رحلة يومية بين البحث عن التشخيص، وتوفير العلاج، وتأمين التعليم المناسب، وهي رحلة تحتاج إلى سند مؤسسي لا إلى جهود فردية متفرقة. فالتوحّد لم يعد قضية صحية عابرة، بل أصبح تحديًا إنسانيًا واجتماعيًا يستحق اهتمامًا جادًا، ولا سيما أن منظمة الصحة العالمية تقدّر انتشاره عالميًا بنحو شخص واحد من كل 127 شخصًا، مع اختلاف النسب بين البلدان ونقص البيانات في بعض الدول. وهو اضطراب نمائي تتداخل في نشأته عوامل متعددة، ولا يوجد حتى الآن علاج دوائي يشفيه نهائيًا، إلا أن التدخل المبكر والتأهيل المتخصص يمكن أن يساهما في تحسين التواصل والمهارات الاجتماعية ونوعية الحياة.

ومن هذا المنطلق، تبرز مسؤوليتنا في العراق، حيث تواجه أسر كثيرة صعوبة في الحصول على التشخيص والعلاج والتأهيل، فضلًا عن ارتفاع كلفة الخدمات المتخصصة. وقد سلط تحقيق صحفي نشرته صحيفة ناشنال الضؤعلى الضوء معاناة أسر عراقية من نقص الخدمات المتخصصة، واضطرار بعض العائلات إلى تحمل أعباء الرعاية بمفردها .

ولا تتوقف معاناة الطفل عند صعوبات التواصل والسلوك، إذ قد ترافق التوحّد مشكلات صحية أخرى؛ فقد أظهرت دراسة عراقية حديثة وجود اضطرابات في النوم والصرع وزيادة في الوزن لدى عدد من الأطفال، الأمر الذي يستدعي متابعة طبية شاملة، لا الاكتفاء بتشخيص الحالة.

أما العلاج، فينبغي أن يقوم على التشخيص المبكر، والتأهيل السلوكي، وعلاج النطق والتواصل، ومتابعة الحالات الصحية المصاحبة، مع إشراك الأسرة في البرنامج العلاجي؛ لأنها الطرف الأقرب إلى الطفل والأكثر قدرة على متابعة تطوره.

وفي الجانب التعليمي، نحتاج إلى التوسع في إنشاء صفوف متخصصة داخل مدارسنا العراقية، تضم أعدادًا محدودة، ويشرف عليها معلمون مدربون وأخصائيون، مع إعداد برنامج تعليمي يناسب قدرات كل طفل، وتهيئة القادرين منهم للاندماج التدريجي في الصفوف الاعتيادية .

ومن هذه النقطة، نضع أمام أصحاب القرار ضرورة بناء منظومة متكاملة تجمع الصحة والتربية، وتدعم الأسرة، وتوفر مراكز التأهيل، وتدرب الكوادر، وتضع قاعدة بيانات وطنية دقيقة تساعد في معرفة حجم المشكلة ووضع الحلول المناسبة.

إن أطفال التوحّد لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر حاجتهم إلى العلم والرعاية والاحتواء والفرصة؛ فحقهم في العلاج والتعليم والحياة الكريمة مسؤولية وطنية وإنسانية، وحمايتهم اليوم هي استثمار في إنسان الغد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *