ليست كل النصب التذكارية حجارة ترتفع في الساحات، فبعضها ذاكرة شعب لا يريد أن ينسى، وشهادة على أرواح غادرت الحياة قبل أوانها، ورسالة إلى العالم بأن حياة المدنيين لا يجوز أن تكون جزءاً من حسابات القوة والنفوذ. وفي أربيل، تختصر حكاية الطفلة ژينە دزەيي، التي لم يتجاوز عمرها أحد عشر شهراً، جانباً مؤلماً من هذه الذاكرة؛ طفلة كان يفترض أن تحتفل بعيد ميلادها الأول، لكنها سقطت ضحية هجوم صاروخي استهدف منزل عائلتها ليلة 15-16 كانون الثاني 2024، وأودى بحياة والدها رجل الأعمال بيشرو دزەيي وعدد من الأشخاص الآخرين.
إن إزاحة الستار عن النصب التذكاري في مجمع إمباير لتخليد الضحايا ليست مجرد مناسبة ثقافية أو فنية، بل موقف إنساني في مواجهة النسيان، وتأكيد أن استهداف المناطق المدنية لا يمكن أن يصبح حدثاً عادياً في سجل الصراعات الإقليمية. فخلف كل ضحية عائلة وحياة وأحلام لم تكتمل، وخلف كل منزل استُهدف مواطنون لا علاقة لهم بحسابات الحروب.
لكن مأساة أربيل لا تبدأ من كانون الثاني 2024، ولا تنتهي عند النصب التذكاري. فشعب كوردستان يحمل ذاكرة طويلة من المعاناة، بدأت في ظل الدكتاتورية بسياسات القمع والتهجير والتعريب والأنفال، مروراً بالقصف الكيميائي لحلبجة في 16 آذار 1988، وتدمير آلاف القرى، وصولاً إلى سنوات الحصار والحرمان. لم يكن نضال الكورد من أجل حقوقهم مشروع امتيازات، بل دفاعاً عن حقهم في الوجود والهوية واللغة والأرض والعيش بكرامة.
وبعد عام 2003، كان الأمل أن تؤسس التضحيات الكوردية، إلى جانب تضحيات العراقيين، لعراق جديد يتجاوز إرث الاستبداد. وجاء دستور 2005 ليعترف بإقليم كوردستان إقليماً اتحادياً، ويقرّ صلاحيات سلطاته وحقه في حصة عادلة من الإيرادات الاتحادية. غير أن السنوات اللاحقة كشفت عن فجوة مستمرة بين النص الدستوري والتطبيق، إذ بقيت ملفات الموازنة والنفط والرواتب والصلاحيات موضع خلاف متكرر، وكأن العلاقة بين بغداد وأربيل لم تتحرر تماماً من عقلية المركز التي يفترض أن النظام الاتحادي تجاوزها.
ومنذ عام 2019، واجهت حكومة إقليم كوردستان برئاسة مسرور بارزاني مرحلة استثنائية من الضغوط السياسية والمالية والأمنية. فقد تزامنت مسؤولياتها مع جائحة كورونا، وتقلبات أسعار النفط، والخلافات بشأن الإيرادات والتحويلات المالية، ثم توقف تصدير نفط الإقليم عبر ميناء جيهان في آذار 2023، وما ترتب عليه من خسائر اقتصادية وتعقيدات مالية انعكست على الموازنة والرواتب والاستثمار والخدمات.
وتكشف البيانات التي نشرتها حكومة الإقليم أن المخصصات المالية للإقليم بين عامي 2019 و2025 بلغت 146.4 تريليون دينار، بينما لم تتجاوز التحويلات الاتحادية الفعلية 33.4 تريليون دينار. وبصرف النظر عن اختلاف وجهات النظر بشأن تفاصيل الحسابات والالتزامات، فإن حجم الفجوة يستدعي معالجة مؤسساتية شفافة ومستقرة، لأن الموظف والمتقاعد والمواطن لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الخلافات السياسية من قوت عائلاتهم.
ولم تتوقف التحديات عند الجانب المالي. فقد تعرضت أربيل في آذار 2022 لهجوم صاروخي باليستي استهدف مناطق مدنية، وطال منزل رجل الأعمال باز كريم برزنجي المعروف بالشيخ باز. ثم جاء الهجوم على منزل بيشرو دزەيي في كانون الثاني 2024 ليعيد مشهد استهداف المدنيين إلى الواجهة. كما تعرضت منشآت الطاقة وحقول النفط والغاز لهجمات متكررة، كان أبرزها استهداف حقل كورمور في نيسان 2024، الذي أسفر عن مقتل أربعة عاملين وتعليق الإنتاج مؤقتاً، فضلاً عن هجمات تموز 2025 التي عطلت إنتاج عدد من الحقول النفطية وأثرت في قطاع الطاقة.
وفي قلب أربيل القديمة، ترك حريق سوق القيصرية في نيسان 2024 خسائر كبيرة في مئات المحال التجارية والمخازن، وأصاب أصحابها بأضرار معيشية واقتصادية واسعة. ورغم أن الحريق لا يجوز تصنيفه عملاً تخريبياً من دون دليل، فإن إعادة إعمار السوق وحماية هذا المعلم التاريخي والاقتصادي تظل جزءاً من مسؤولية الحفاظ على حياة المدينة ومصالح أهلها.
أما هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ، فقد بلغت مستويات مقلقة خلال عام 2026. ووفق إحصاءات دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة الإقليم، تعرضت كوردستان إلى 809 هجمات بين 28 شباط و20 نيسان، بينها 701 هجوم بالطائرات المسيّرة، وأسفرت عن استشهاد 20 مواطناً وإصابة 123 آخرين. ولم تسلم المؤسسات الحكومية من هذه التهديدات، إذ استُهدف المكتب الخاص لرئيس الحكومة مسرور بارزاني في 17 آب 2026 بطائرتين مسيّرتين، وفق إعلان السلطات الأمنية في الإقليم، في تصعيد طال مؤسسة حكومية رفيعة المستوى.
إن جمع هذه الوقائع لا يعني افتراض وجود جهة واحدة تقف وراء كل حادثة، بل يكشف حجم التحديات التي واجهها الإقليم، وتداخل الضغوط الأمنية والاقتصادية والمالية على حياة سكانه. فالمواطن الذي يخشى على منزله من الصواريخ، ويقلق على مصدر رزقه بسبب توقف الإنتاج والاستثمار، وينتظر راتبه وسط الخلافات المالية، يجد نفسه أمام أعباء تتجاوز قدرة أي مجتمع على تحملها بصورة مستمرة.
وهنا تبرز مسؤولية بغداد الدستورية والسيادية. فحماية مواطني كوردستان ليست شأناً يخص حكومة الإقليم وحدها، مثلما أن احترام صلاحياته لا ينبغي أن يخضع لموازين القوى السياسية. وليس المطلوب أن تتخلى الحكومة الاتحادية عن اختصاصاتها، بل أن تتعامل مع الإقليم باعتباره شريكاً دستورياً، وأن تُحل الخلافات عبر المؤسسات والقانون، لا بتعطيل الاستحقاقات أو تحويل الموارد المالية إلى أدوات ضغط.
لقد قدم الكورد تضحيات كبيرة في تاريخ العراق الحديث، وكانوا جزءاً أساسياً من معركة إسقاط الدكتاتورية وبناء النظام الجديد. ومن حقهم أن تكون تلك التضحيات أساساً لشراكة حقيقية، لا مناسبة لاستحضار الماضي كلما تعثرت المفاوضات. كما أن استقرار أربيل ودهوك والسليمانية وحلبجة ليس مصلحة إقليمية فحسب، بل ركيزة من ركائز استقرار العراق واقتصاده ووحدته.
إن النصب التذكاري الذي شهدت أربيل إزاحة الستار عنه سيحفظ أسماء ضحايا ليلة مؤلمة، لكنه يحمل رسالة تتجاوز المناسبة: الذاكرة ليست دعوة إلى الانتقام، بل مطالبة بالحقيقة والعدالة ومنع تكرار المأساة. فذكرى بيشرو دزەيي وابنته ژينە وسائر الضحايا تستحق حماية المدنيين وصون المدن من الاعتداءات.
كوردستان لا تطلب أكثر مما أقرّه الدستور، ولا ينبغي أن تضطر في كل مرحلة إلى إعادة إثبات حقها في الحياة والأمن والشراكة. لقد تغيرت الحكومات والأنظمة، لكن الاختبار الحقيقي للعراق الجديد يبقى في قدرته على مغادرة عقلية المركز، واحترام التعدد، والوفاء بالتزاماته الاتحادية.
فكم يحتاج هذا الشعب من التضحيات حتى يصبح حقه في الحياة والأمن والشراكة أمراً طبيعياً، لا معركة متجددة في كل مرحلة من تاريخ العراق؟

