مقاربة نظرية مع تطبيق خاص على الدول النامية والريعية (العراق بعد 2003) نموذجاً (1)
أطلعت مشكوراً على دراسة الأخ والزميل العزيز الدكتور علي مرزا، المنشورة في شبكة الاقتصاديين العراقيين 12 شباط 2026، والمرفق في الرابط أدناه.
http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2026/02/Merza-Public-Development-Motivations-Nobel-Prizes.pdf
تتميز هذه الدراسة الرصينة والقيمة على تحليل علمي ومعرفي في دور الدولة/الإدارة في الادب الاقتصادي المعاصر فيما يتعلق بموضوع النمو والتنمية الاقتصادية في الدول المتخلفة/ النامية. مستنداً على عرض المساهمات الاقتصادية الحديثة لمانحي جائزة نوبل للعلوم الاقتصادية للسنوات 2018 و2024 و2025 وبعض ما سبقها، بالإضافة الى دراسات قيمة للباحث، المشار اليها ضمن مصادر الدراسة، بهدف فتح النقاشات واغناء الموضوع من قبل المهتمين في الشؤون الاقتصادية/ السياسية، والخروج بنتائج تساعد على تقديم رؤية وحلول المشاكل والمعضلات التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، منذ الاحتلال عام 2003 وحتى اليوم. أثنى عالياً جهود زميلنا و يستحق كل التثمين والتقدير ومزيد من العطاء المثمر.
آدنا ورقتي المتواضعة على هامش الدراسة، كلاتي:
مقدمة
شهد الأدب الاقتصادي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تحوّلات عميقة في فهم دور الدولة في عملية النمو والتنمية. ففي مرحلة ما بعد الحرب برزت الدولة التنموية بوصفها فاعلاً مركزياً في التخطيط، والتصنيع، وبناء البنية التحتية، كما في تجارب شرق آسيا. غير أن صعود التوجهات النيو ليبرالية منذ سبعينيات القرن العشرين، مدعوماً بسياسات “إجماع واشنطن”، أعاد تعريف الدولة باعتبارها منظِّماً للأسواق لا موجِّهاً لها، مع التركيز على الخصخصة، والانفتاح التجاري، وتقليص القطاع العام.
إلا أن الأزمة المالية العالمية 2008–2009 أعادت الاعتبار لدور الدولة، ليس فقط كمُنقذ للنظام المالي، بل كفاعل استراتيجي في الابتكار، والتحول الهيكلي، والتنمية المستدامة. وقد عكست مساهمات حديثة في الاقتصاد السياسي والمؤسسي هذا التحول، ومنحت جائزة نوبل في الاقتصاد لعدد من الباحثين الذين ركزوا على المؤسسات، والابتكار، ودور الدولة في تشكيل مسارات التنمية، مثل Paul Romer (2018) و Acemogh،Daron (2012) وJames A. Robinson (2024)، فضلاً عن أعمال Claudia Goldin (2023) التي سلطت الضوء على البنية المؤسسية وسوق العمل.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن النمو الاقتصادي المستدام في الدول النامية والريعية، وخاصة العراق بعد 2003، يتوقف على إعادة بناء الدولة التنموية بوصفها دولة مؤسسية رشيدة، قادرة على إدارة الموارد، وتحفيز التحول الهيكلي، واحتواء النزاعات السياسية–الاقتصادية.
أولاً: دور الإدارة الحكومية في المساهمات الأكاديمية الحديثة
أعادت الأدبيات الحديثة الاعتبار لدور الدولة من خلال ثلاثة محاور رئيسة:
نظرية النمو الداخلي والابتكار. 1
أكدت نظرية النمو الداخلي (Romer) أن المعرفة والتقدم التكنولوجي لا يتولدان تلقائياً من السوق، بل يحتاجان إلى مؤسسات عامة داعمة، تشمل الاستثمار في التعليم، والبحث والتطوير، وحماية حقوق الملكية الفكرية. ومن هنا تصبح الدولة محفزاً للإنتاجية طويلة الأجل.
. الاقتصاد المؤسسي الجديد 2
يرى Acemoglu وRobinson أن نوعية المؤسسات – شاملة أو إقصائية – تحدد مسار النمو. فالمؤسسات الشاملة تعزز الحوافز والاستثمار والمساءلة، بينما تقود المؤسسات الريعية الإقصائية إلى ركود طويل الأمد. وبالتالي، فإن الإدارة الحكومية ليست محايدة؛ بل إن بنيتها السياسية تحدد كفاءة السياسات الاقتصادية.
. الدولة الريادية والاقتصاد الأخضر 3
طرحت أدبيات “الدولة الريادية” (Mariana Mazzucato) فكرة أن الدولة ليست مجرد مصحح لفشل السوق، بل مستثمر استراتيجي يقود التحولات الكبرى، مثل التحول الرقمي أو الأخضر. ويعزز ذلك توجهات التنمية المستدامة المرتبطة بأهداف الأمم المتحدة.
ثانياً: الاستفادة من التجارب الخارجية في مجال النمو المستدام
تُظهر تجارب شرق آسيا (كوريا الجنوبية، تايوان) أن التنسيق بين الدولة والقطاع الخاص، ضمن إطار مؤسسي قوي، مكّن من تحقيق تحول صناعي ناجح. في المقابل، أظهرت تجارب العديد من الدول الريعية أن الاعتماد على الموارد الطبيعية دون تنويع اقتصادي يؤدي إلى “لعنة الموارد”.
بالنسبة للعراق بعد 2003، فقد تم تبني نموذج اقتصاد السوق المفتوح في ظل احتلال خارجي وتفكيك مؤسسات الدولة، دون تهيئة قاعدة مؤسسية قوية. أدى ذلك إلى:
- تضخم دور الاقتصاد الريعي النفطي.
- ضعف القاعدة الإنتاجية الصناعية والزراعية.
- اعتماد مفرط على الاستيراد.
- هشاشة مالية مرتبطة بتقلب أسعار النفط.
تشير تجربة نرويج إلى إمكانية إدارة الموارد النفطية عبر صندوق سيادي واستثمار طويل الأجل، بينما يعكس نموذج كوريا الجنوبية، أهمية التصنيع الموجه للتصدير بدعم حكومي منضبط.
ثالثاً: الدوافع والتوجيهات المؤسسية–السياسية–الاقتصادية
في الدول النامية والريعية، تتقاطع ثلاثة أبعاد:
البعد السياسي. 1
- بناء شرعية الدولة.
- إدارة التعددية الاجتماعية.
- مكافحة الفساد والمحاصصة.
في العراق، أدى نظام المحاصصة بعد 2003 إلى تحويل الدولة إلى ساحة لتوزيع الريع، بدل أن تكون أداة تنموية. وهذا يندرج ضمن نمط “المؤسسات الإقصائية” التي تُضعف الحوافز الإنتاجية.
. البعد المؤسسي 2
- استقلالية الجهاز الإداري.
- كفاءة التخطيط.
- التنسيق بين السياسات المالية والنقدية
ضعف التنسيق بين السياسة المالية المعتمدة على النفط، والسياسة النقدية للبنك المركزي، يعكس فجوة مؤسسية تؤثر في الاستقرار طويل الأجل.
. البعد الاقتصادي 3
- تنويع القاعدة الإنتاجية.
- إصلاح بيئة الأعمال.
- الاستثمار في رأس المال البشري.
رابعاً: الدوافع والتوجهات التنموية والتقدم التكنولوجي
يرتبط النمو المستدام بالتحول التكنولوجي. فالدول التي تستثمر في التعليم الرقمي، والبنية التحتية، والطاقة المتجددة، تحقق نمواً أكثر استدامة.
بالنسبة للعراق، تمثل التحولات الرقمية والطاقة الشمسية فرصاً استراتيجية لتقليل الاعتماد على النفط. إلا أن غياب سياسة صناعية واضحة يحد من تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج فعلية.
إن دمج التكنولوجيا يتطلب:
- سياسات تعليمية محدثة.
- شراكات بين الجامعات والقطاع الخاص.
- تحفيز الابتكار المحلي.
- استقراراً سياسياً وأمنياً.
خامساً: التفاعل والنزاع/التعاون بين المجالين السياسي والاقتصادي
في الدول الريعية، يتسم التفاعل بين السياسة والاقتصاد بطابع نزاعي بسبب التنافس على الريع. ويؤدي ذلك إلى:
- تسيس القرارات الاقتصادية.
- إضعاف الاستثمار طويل الأجل.
- تضخم القطاع العام لأغراض سياسية.
في المقابل، يمكن أن يتحول هذا التفاعل إلى تعاون إذا:
- تم فصل إدارة الموارد عن الصراع السياسي.
- أُنشئت مؤسسات رقابية مستقلة.
- تم تبني عقد اجتماعي قائم على الإنتاج لا الريع.
في العراق، يبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من “دولة توزيع الريع” إلى “دولة إنتاج وتنمية”، عبر إصلاحات مؤسسية تدريجية تعزز المساءلة والكفاءة.
خاتمة
تؤكد الأدبيات الحديثة أن الدولة ليست نقيض السوق، بل شرط لعمله بكفاءة، خاصة في سياقات الدول النامية والريعية. فالنمو المستدام يتطلب مؤسسات سياسية شاملة، وإدارة حكومية كفؤة، واستراتيجية تنموية واضحة تقود التحول الهيكلي والتكنولوجي.
إن تجربة العراق بعد 2003 تُظهر أن تبني سياسات سوقية دون بنية مؤسسية قوية يؤدي إلى تعميق الريعية والهشاشة الاقتصادية. وبالتالي، فإن إعادة بناء الدولة التنموية، القائمة على التنويع، والحكم الرشيد، والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا، تمثل المدخل الأساس لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
جزيل الشكر الى صديقي وزميلي العزيز الدكتور علي مرزا على اطلاعه الورقة، واقتراحه للنشر على موقع الشبكة الموقر.
المراجع
- Acemoglu, D., & Robinson, J. (2012). Why Nations Fail.
- Romer, P. (1990). Endogenous Technological Change.
- Mazzucato, M. (2013). The Entrepreneurial State.
- World Bank (various reports on Iraq, 2003–2023).
- IMF Country Reports on Iraq.
- UNDP Sustainable Development Reports.
(1) المقال منشور على شبكة الاقتصاديين العراقيين، بتاريخ 12/03/2026

