وطنٌ يتّسع للجميع … هل يبدأ السلام من الداخل أم من الخارج ؟ – محمد ديب أحمد

في سوريا اليوم ،
لا تكمن الأزمة في غياب الحلول ، بل في ترتيبها الخاطئ .
فبينما يتقدّم خطاب الانفتاح إلى الخارج ، لا يزال الداخل ينتظر تعريفاً واضحاً لنفسه .
وفي هذه المفارقة تحديداً ، يتحدد مصير أي حديث عن استقرار أو سلام .
تصريحات الرئيس السوري  بشأن السعي إلى تفاهمات أمنية في الإقليم ، تعكس توجهاً نحو الواقعية السياسية ، وربما إدراكاً بأن استمرار الصراع المفتوح لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة . غير أن هذه الواقعية ، إن لم تُستكمل بإعادة ترتيب البيت الداخلي ، تبقى خطوة ناقصة ، وقد تتحول إلى مجرد إدارة للأزمة لا حلاً لها .
السياسة ليست سباقاً نحو الخارج ، بل بناء متدرّج يبدأ من الداخل . والدولة التي لم تحسم شكل علاقتها مع مكوناتها ، لن تكون قادرة على تثبيت موقعها في أي معادلة إقليمية .
ومن هنا ، فإن أي تقدم دبلوماسي لا يوازيه تقدم داخلي ، يظل هشّاً ، وقابلاً للانكشاف عند أول اختبار .
في هذا الإطار ، تكتسب اللقاءات التي جمعت الرئيس السوري ومسؤولين سوريين مع الجنرال مظلوم عبدي والسيدة إلهام أحمد أهمية خاصة ، ليس بسبب ما تسرب  عنها ، بل بسبب ما تمثّله بالخطوة  ذاتها .
فهي ، وإن بدت خطوة خجولة ، تشي بإمكانية الانتقال من منطق القطيعة والإنكار وفوهة البنادق إلى منطق الحوار .
قد تكون هذه الخطوة محدودة ، وربما محاطة بحسابات معقدة ، لكنها تظل ضرورية . فكل مسار سياسي جدي يبدأ بكسر الجمود ، لا بالقفز فوقه .
والسؤال هنا لا يتعلق بما قيل في تلك اللقاءات ، بل بما يمكن أن يُبنى عليها :
هل نحن أمام بداية مسار يعيد تعريف العلاقة بين المركز والمكونات ؟
أم مجرد محاولة لامتصاص التوتر دون تغيير حقيقي في القواعد ؟
لقد أثبتت التجارب ، بما لا يدع مجالاً للشك ، أن لغة الرصاص لم تبنِ دولة ، ولم تُرسِ سلاماً ، ولم تُنتج استقراراً .
القوة قد تفرض وقائع مؤقتة ، لكنها تعجز عن تحويلها إلى عقد دائم . وحده الحوار ، القائم على الاعتراف المتبادل ، قادر على تفكيك الأزمات من جذورها ، لا إدارتها من سطحها .
غير أن هذا المسار يصطدم بإرث ثقيل لم يُطوَ بعد .
السنة الأولى من التحولات الأخيرة لم تكن مجرد مرحلة انتقالية ، بل انتهاكات و جروح  ودماء ، وكشفت عن ميلٍ مقلق لإعادة إنتاج أدوات الإقصاء ، وإن تغيّرت اللغة .
خطاب متشدد ، نزعات نحو اللون الواحد ، وشعور متزايد لدى قطاعات واسعة بأنها خارج المعادلة .
وهذه ليست تفاصيل ، بل مؤشرات تمسّ جوهر أي مشروع سياسي يُفترض أنه يسعى للاستقرار .
سوريا ، بحكم واقعها وتاريخها ، ليست بلداً قابلاً للاختزال .
إنها فسيفساء معقدة ، لا تستقيم إلا بتوازن مكوناتها . ومن بين هذه المكونات، يشكّل الشعب الكردي مكوناً وشعباً على هذه الأرض منذ فجر التاريخ  وجزءاً أصيلاً من هذا النسيج ، لا يمكن التعامل مع حقوقه بوصفها ملفاً ثانوياً أو قابلاً للتأجيل .
والحقوق الكردية في سوريا ليست مطلباً سياسياً عابراً ، بل جزء من معادلة الاستقرار نفسها .
والاعتراف بها—ثقافياً وسياسياً وإدارياً—لا يتعارض مع وحدة البلاد ، بل يؤسس لها على قاعدة أكثر صلابة .
أما تجاهل هذه الحقيقة ،
أو الالتفاف عليها بشعارات عامة ، فلن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة ، لا حلّها .
في المقابل ، لا يمكن فصل الحديث عن الانفتاح الخارجي ، خاصة في ملفات حساسة كالعلاقة مع إسرائيل   وتقريباً كل دول الجوار  وعن ميزان القوى  والمتغيرات .
فحين تُدار المفاوضات في ظل واقع ميداني غير متكافئ ولنقلها بصراحة دولة إسرائيل ، يصبح خطر الانزلاق نحو “تنازلات مغطاة بالواقعية” قائماً سواءاً شئنا أو أبينا .
وهنا ، تبرز أهمية الداخل مرة أخرى :
فالدولة المتماسكة داخلياً تفاوض من موقع مختلف تماماً عن دولة لم تُحسم توازناتها بعد .
ولهذا ، فإن أي مقاربة جادة للمستقبل لا يمكن أن تقوم على إعادة تدوير اللغة ، بل على تغيير المعنى . وهذا لا يبدأ من الخارج ، ولا يُفرض من فوق ، بل يُبنى من الداخل ، عبر إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومجتمعها على أساس الشراكة لا الهيمنة ،
والحقوق لا الامتيازات .
في النهاية ، لا تُختبر الدول بما تعلنه ، بل بما تجرؤ على تغييره .
وسوريا اليوم لا تحتاج إلى شعارات جديدة ، بقدر ما تحتاج إلى شجاعة مختلفة :
شجاعة الاعتراف ، قبل شجاعة التفاوض .
فإما أن يبدأ الحل من الداخل …
أو يبقى كل ما عداه تأجيلاً مكلفاً لأزمة لن تختفي .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *