لم تكن الصحوة الإسلامية في العراق عودةً اجتماعية بريئة إلى التدين، ولا استعادة أخلاقية لقيم دينية غائبة، بل تحوّلًا سياسيًا عميقًا أعاد تعريف العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع. فقد جاءت هذه الصحوة في لحظة انهيار الدولة، لا في لحظة إصلاحها، فملأت الفراغ لا بالقانون، بل بالهوية، ولا بالمواطنة، بل بالانتماء العقائدي. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الدين إطارًا أخلاقيًا ناظمًا للمجتمع، بل صار أداة سلطة وتعبئة وصراع.
في العراق، ترافقت الصحوة مع تفكك بنيوي أصاب مفهوم الدولة نفسه. لم تعد الدولة مرجعية عليا جامعة، بل تحوّلت إلى ساحة تتنازعها قوى ترى في نفسها ممثلة للإرادة الإلهية أو لحماية “المقدّس”. ومع هذا التحوّل، تراجع معنى المواطنة لصالح انتماءات جزئية، مذهبية وسياسية، بات الفرد يُعرَّف من خلالها قبل أي انتماء وطني. هكذا جرى استبدال العقد الاجتماعي بمنطق الجماعة، واستُبدل القانون بتوازن القوة.
في هذا السياق، لعب العامل الإقليمي دورًا حاسمًا، وعلى رأسه تأثير إيران، التي لم تتعامل مع العراق بوصفه دولة مستقلة بقدر ما تعاملت معه كساحة نفوذ مفتوحة. لم يكن هذا التأثير عسكريًا فقط، بل فكريًا وسياسيًا، قائمًا على دعم قوى دينية مسلّحة، وتغذية خطاب يربط الشرعية السياسية بالانتماء العقائدي. وبهذا، لم يُسهم هذا النفوذ في بناء دولة عراقية قوية، بل في إدامة هشاشتها، عبر تقوية سلطات موازية تعمل فوق الدولة أو خارجها، وتستمد مشروعيتها من خارج الحدود بقدر ما تستمدها من خطاب ديني داخلي.
تحت هذا المسار، جرى تديين الصراع السياسي، لا فقط في مواجهة الخصوم المحليين، بل أيضًا في رسم صورة “العدو الخارجي”. لم يعد الفساد، ولا سوء الإدارة، ولا غياب العدالة الاجتماعية، هو جوهر الأزمة في الخطاب السائد، بل جرى اختزال الإشكال في “العداء للغرب”. تحوّل الغرب من طرف سياسي يمكن نقد سياساته إلى كيان حضاري شيطاني شامل، تُحمَّل له كل الإخفاقات. لم يكن هذا العداء نقدًا عقلانيًا، بل خطاب تعبئة يُستخدم لتبرير الفشل الداخلي، وإسكات أي مطالبة بإصلاح الدولة أو مساءلة السلطة.
المفارقة أن هذا الخطاب العدائي لم يُنتج سيادة حقيقية، بل ترافق مع تآكلها. ففي بغداد، كما في مدن أخرى، تُرفع شعارات كبرى ضد الخارج، بينما يُقمع الداخل، ويُفرَّغ الفضاء السياسي من معناه، وتُدار الدولة بمنطق الأمر الواقع لا بمنطق المؤسسات. هكذا تحوّل “المشروع الإسلامي” من وعدٍ بإصلاح المجتمع إلى إدارة دائمة للأزمات، تُبقي المجتمع في حالة استنفار وخوف، وتمنع نشوء أفق مدني مستقر.
لم تكن الميليشيات في العراق انحرافًا عن مسار الصحوة، بل نتيجة منطقية لها حين يُفصل الدين عن الأخلاق ويُربط بالسلطة. فحين تُمنح الجماعة الدينية شرعية فوق الدولة، يصبح السلاح قابلًا للتبرير باسم “الحماية” أو “المقاومة”، ويُعلَّق القانون متى تعارض مع “القضية”. وبهذا، لم تعد الدولة قادرة على احتكار العنف المشروع، ولا المجتمع قادرًا على إنتاج سياسة سلمية طبيعية.
تكشف التجربة العراقية، في المحصلة، أن الصحوة الإسلامية حين تتداخل مع النفوذ الإقليمي وتعمل في ظل دولة ضعيفة، لا تُنتج نهضة ولا عدالة، بل تعمّق الانقسام وتؤبّد الهشاشة. لم يخسر العراق فقط مؤسساته، بل خسر أيضًا صورته عن نفسه وعن العالم، إذ بات يعيش بين خطاب ديني مُسيّس وواقع اجتماعي واقتصادي مأزوم.
إن الإشكال في العراق لم يكن يومًا في الدين بوصفه منظومة قيم، بل في تحويله إلى أداة حكم وصراع. وحين يُستبدل القانون بالمقدّس، لا يسمو المقدّس، بل يُستنزف، وتبقى الدولة معلّقة بين شعارات كبرى وواقع بلا أفق. ما لم يُعاد الفصل بين المجال الأخلاقي والمجال السياسي، ستظل الصحوة عنوانًا لأزمة مفتوحة، لا لمشروع إنقاذ.

