اللغة مرآة الشعوب يا دكتور…؟- محمد مندلاوي

 

البارحة تاريخ 02 03 2024 زرت معهد الدراسات الكوردية في مدينة ستوكهولم كي يتعاونوا معي من أجل طبع كتابي الذي عن الأمثال الكوردية باللهجة “الكلهورية – الفيلية”، لكن بسبب عدم تحديد وقت محدد للحديث عن كيفية طبع الكتاب وإخراجه بأية صورة، لم يجر الحديث معي عن كيفية طبع الكتاب، فلذا عدت إلى مدينتي مساءً خالي الوفاض، لا شيء معي من وعود؟، غير أنهم قالوا لي سيتصلون بي، ربما يُحدد يوماً ما سألتقي بهم كي أتحدث عن طبع الكتاب، وربما ألقي محاضرة عنه أيضاً باللغة العربية، أو الكوردية باللهجة المذكورة أعلاه، لأن الغالبية العظمى من الكورد الفيلية لا يجيدون اللهجة السورانية، بل الكثير منهم لا يجيد سوى اللغة العربية، اللهجة العراقية؟!.

عزيزي المتابع، صادف زيارتي للمعهد المذكور وجود دكتور – أعتقد بدرجة بروفيسور- لا أريد أن أذكر اسمه هنا لأني لم أقل له سأكتب مقالاً  نقدياً موضوعياً عن ما جرى بيننا من نقاش الذي حدث فيه سوء فهم من جانب المحاضر وبعض الحضور، فلذا أتجنب أن أشير إلى اسمه مع جل احترامي وتقديري لشخصه الكريم.

بلا شك أن القارئ الكريم يريد أن يعرف ماذا كان سبب الاختلاف بيننا. عزيزي،  لكي أكون أميناً على الكلمة، أن محاضرة الدكتور كانت عن إصدار كتابه الجديد حول تربية ورعاية الطفل. عزيزي المتابع، رغم أني لم أصل إلى قاعة المحاضرة بالوقت المحدد، ألا أني استمعت إليه وكلي آذان صاغية، رغم عدم إجادتي بنسبة مئوية عالية للهجة الكرمانجية الكوردية التي تحدث بها المحاضر، ألا أني استوعبت غالبية الحديث الذي تفضل به، فعليه كان لي بعض الملاحظات النقدية الموضوعية على الكلمات والمصطلحات التي استخدمها الدكتور في سياق محاضرته، التي لم تنهضم عندي. إلا أن الدكتور المحاضر وعدد من القلة القليلة التي حضرت المحاضرة والتي لم تتجاوز عدد الأصابع في الكفين لم تستسغ مغزى اعتراضي على بعض الكلمات التي استخدمها الأستاذ المحاضر، وذلك بسبب عدم إجادتهم للغة شعب قائم بذاته، فعليه يجب أن تكون مفردات لغتهم مثل مفردات لغتي، مثل لغة شعبهم كلغة قائمة بذاتها، لا يجوز لك أن تلحقها بلغة شعب آخر غريب عنها. وهكذا وطنه الأم، لا يجوز لكائن من كان أن يذيله باسم شعب آخر غريب عنه؟، لا بل عدو له لأنه – ذلك الشعب- يآزر النظام الذي يعادي الكورد وكوردستان؟. أعتقد جازماً لو قرؤوا هذا الكلام الذي أقوله هنا أيضاً لا يستوعبه الذين اعترضوا علي، وذلك بسبب تعشعش الأفكار الباليه في منظومتهم الفكرية.

الذي أقوله هنا عن ما تفضل به الدكتور في محاضرته، حسب اعتقادي، أنه لم يسرد في محاضرته شيئاً خلاف المنهج العلمي، أو ما وضع من أفكار علمية بين دفتي كتابه. لكني كناقد كوردي كما أسلفت لدي اعتراض على بعض المفردات اللغوية التي استخدمها في سياق حديثه، وهذا يعني، أن ما قاله علمياً صحيح وسليم ليس عليه اعتراض، ألا أنه أخطأ اجتماعياً، وقومياً، ووطنياً – أعني كوردياً وكوردستانياً- كان كلامه غير دقيق عن توصيفه لشعبه الكوردي في جنوب كوردستان. لذا كانت لنا بعض الملاحظات النقدية الموضوعية بشكل حيادي عن اختيار تلك الكلمات التي نطق بها إبان إلقاء محاضرته؟. بلا شك أني أعرف إنه إنسان أكاديمي، من المرجح لديه العديد من الطلبة يسمعون إليه ويأخذون إرشاداته كنصوص مقدسة، أو يلقي محاضرات هنا وهناك، أو يظهر على شاشات التلفزة أو يتكلم في وسائل الإعلام المطبوعة إلخ، لكنه بهذه اللغة… يبني ويهدم في آن واحد؟!. كأنه يبني صرحاً بمواد مغشوشة غير صالحة للبناء، وهذا يعني بالنتيجة يسقط البناء على رأس ساكنيه ويؤدي بحياتهم إلى الهاوية. وهذه كارثة كبيرة؛ إن اختيار كلمات غير دقيقة عن وصف شعب قائم بذاته خطأ قاتل، بلا أدنى شك تؤثر تأثيراً سلبياً على المنظومة الفكرية للمواطن الكوردي، حيث تجعله لا يميّز بين الكيان العراقي الذي يهدد إقليم كوردستان بالفناء، وبين وطنه الأم كوردستان، وذلك عندما تكلم الدكتور في محاضرته المذكورة بخلاف الدستور الاتحادي، عندما ألحق اسم العراق بذيل اسم كوردستان، بهذه الصيغة الخطأ: کوردستانی عێراق. إنه رجل علم، يجب عليه أن يعرف جيداً مقدار التأثيرات السلبية التي يتأثر بها المتلقي عندما يستمع إليه وهو يلقي على مسامعه مفردات لغوية ليست في موضعها الصحيح والسليم. إن القاصي والداني يعرف جيداً، أن كوردستان وطن الأمة الكوردية من البحر إلى البحر وحدة واحدة أرضا وشعباً وتاريخاً. بل الطامة أيضاً عندما تقلب اسم جنوب كوردستان إلى كوردستان الجنوبية، إنك بقصد أو بغيره فصلت جنوب كوردستان عن بقية كوردستان، وجعلته كما التيمور الشرقية، أو كوريا الشمالية أو الجنوبية كياناً قائماً بذاته بمعزل عن أكثر من 80% من أرض كوردستان التي ترزح تحت نير الاحتلال الإيراني، التركي، السوري البغيض. عزيزي المتابع، لو لم يكن أكاديمياً، وحاصل على أعلى شهادة جامعية، لقلت ربما بسبب عدم إدراكه لمخاطر هذه المصطلحات القاتلة لا يشعر بخطورتها، لكني كما أسلفت أنه إنسان متعلم، واستخدام هذه المفردات… تدمر المنظومة الفكرية القومية والوطنية الكوردستانية لدى المواطن الكوردي – الكوردستاني، وتجعله أن لا يميّز بين وطنه كوردستان والكيانات المصطنعة التي تكبله وتحكم شعبه الكوردستاني بالحديد والنار. أضف لكل هذا، إنك إنسان كوردي، لذا يستوجب عليك أن تتجنب ولا تضع كلمات عربية دخيلة في جلالة لغتك الكوردية إذا توجد في لغتك الكوردية نفس تلك الكلمات، مثال إنك قلت: سياسة، كورديتها ڕامیاری. وترجمة: كورديتها وەرگێڕ. ومقدس: كورديته: پیرۆز. وحرف، كورديته: پیت إلخ. أ تلاحظ عزيزي المتابع، كيف أن اللغة الكوردية لها مميزاتها عن اللغة العربية ولغات أخرى؟. أ تعرف لماذا أنتقد هذا الاتجاه عند الكورد، لأن الكوردي وأنا منهم مهما تعلم اللغة العربية لابد وأن يشطح فيها. لقد استمعت إلى الدكتور المحاضر، إذا لا أكون مخطأ قال في سياق محاضرته: متحفظ. وقصد به محافظ، أي متمسك بالتقاليد الاجتماعية. بينما كلمة متحفظ التي نطقها تعني: متحذر وغير موافق؟. فلذا أنا أؤكد وأقف على هذه النقاط الحساسة، لأننا شعب جريح واقع تحت نير الاحتلال البغيض، وكل شيء له علاقة بالمحتل يجب على الكوردي أن يتجنبه ولا يستخدمه لأن استخدامه يؤثر سلباً على فكرة استقلالية شعبه ووطنه في داخله، على الصورة الذهنية لديه؟. ربما يقال أن العراق ليس محتلاً الآن. نقول: لا عزيزي، العراق لا زال يحتل نصف مساحة جنوب كوردستان، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة دولة لبنان. ويحاول بشتى الوسائل الخبيثة أن يعيد احتلال النصف الآخر.

هل علمت الآن عزيزي القارئ، أنني لم انتقده عن المادة العلمية التي قدمها. ولم انتقده لغوياً، أي فيما يتعلق بقواعد اللغة التي ألقى محاضرته بها، بل انتقادي له كان عن تلك المفردات والجمل… التي نطق بها مثال (کوردستانی عێراق) التي تنتقص من اسم وهيبة الأمة الكوردية كأمة قائمة بذاتها على أرض وطنها كوردستان منذ زمن سحيق يصعب تحديده بالأرقام.

اسمح لي عزيزي القارئ، أن أعرج قليلاً على الذين حضروا المحاضرة، أن جلهم أن لم يكن كلهم ينتمون لحزب كوردستاني لا يذيل اسمه باسم أي كيان محتل لكوردستان، كما  هو الحزب الديمقراطي الكوردستاني – إيران. إن عدم ذكر اسم أي كيان غريب في نهاية  اسم كوردستان يعني أن كوردستان وطن قائم بذاته ليس جزءاً من أي كيان غاصب. لكن للأسف الشديد، ظهر لي أن غالبية الحضور رغم أنهم أعضاء في حزب كوردستاني قومي وعلماني لكن الجماعة ليست لديهم ثقافة قومية ووطنية كوردية وكوردستانية كما لدى الشعوب التي لديها أوطان قائمة بذاتها. مثلاً المواطن الفلسطيني قط لا يلحق وطنه بإسرائيل، ليس هذا فقط، بل تجده داخل دولة إسرائيل وينعم بخيراتها ويحمل جنسيتها لكن عندما تسأله يقول لك: أنا فلسطيني الداخل. وهكذا التركي، عندما تسأله عن وطنه الأم يقول لك: وطني الأم طوران الذي في آسيا الوسطى؟. حتى أن شاعرهم القومي ضياء غوك ألب يقول:

وطـن الأتـراك ليس تركيا ولا تركستان                                                                   الوطن هو البلد العظيم والأبدي طوران.

للأسف الشديد إلا المواطن الكوردي – الكوردستاني، ليس لديه لغة بينة، واضحة عن أمته الكوردية ووطنه كوردستان، تجده تارة يربطه بالعراق، وتارة بالكيان التركي الطوراني إلخ. حتى أن المواطن السويد انزعج أيما انزعاج من وصف الكورد الخطأ لوطنهم كوردستان، قال لهم: أنتم تقول كوردستان العراق، كوردستان إيران إلخ، أين كوردستان الكورد؟.

عزيزي القارئ اللبيب، في سياق محاضرته  ذكر المحاضر بشكل عابر قطاع غزة، وأشار إلى ما يحدث فيه من مآسي. لكنه لم يذكر من المسئول عن تلك المآسي؟. لا أدافع عن دولة إسرائيل أو عن أي نظام كان، لكننا نتساءل، أليس هم الذين هجموا على إسرائيل وقتلوا أكثر من 1000 مواطن إسرائيلي وأسروا الأطفال والنساء وطاعني السن؟. وجب على قياداتهم أن تعرف كيف ستكون رد فعل دولة إسرائيل؟. ثم، ألم يشاهد الدكتور المحاضر والأخوات والأخوة الحضور في قنوات التلفزة كيف أن جمعاً من أهالي غزة ساندت رئيس جمهورية الأتراك المدعو رجب طيب أردوغان ضد أخواننا الكورد في غرب وشمال كوردستان؟. على أية حال.

ألا يعرف الدكتور ما هي أهمية اللغة في حياة الشعوب؟

إن اللغة يا عزيزي كلمة، والكلمة تعرف بها الاسم الذي يدل على الموصوف؟. وهي أفضل سبيل لمعرفة خصائص الشعوب الحضارية والتاريخية والأدبية إلخ، وهي التي تنقل كل ما لدى أي شعب من مميزات وتراث سلبي أم إيجابي إلى الأجيال التي تأتي تباعاً؟. يعني، أن اللغة – الكلمة، التي تربط الماضي بالحاضر، وذلك من خلال المدونات أن كانت هذه المُدونات دوّنت على الحجر، أو على الجلود، أو على الورق، أو في العصر الحديث تُذاع عبر الأثير أو أو إلخ، وهي التي تعتبر في أيامنا مرآة شعب المتحدث بها؟، لأنها تعكس ثقافته وحضارته إلى شعوب العالم في الجهات العالم الأربع.

وفي النهاية، نخلص إلى القول، لا علوم ولا معارف بدون اللغة التي تصوغها على صيغة معلومة واضحة، أي أن اللغة النظيفة غير الركيكة ينقل صاحبها من خلالها فكراً نظيفاً، وبدونها مهما زينت ما لديك  من أفكار بعناوين علمية،  لكن باطنه يبقى طوباوي – تخيلي، بلا أدنى شك ستكون نتائجها سلبياً وضاراً على المتلقي، ويؤدي به إلى المتاهات الفكرية، وفي المحصلة يكون الشعب – المجتمع هو  الوعاء الذي ينصب فيه أعمال الفرد السلبية.

 

04 03 2024