الضجيج … حين يصبح بديلاً عن الحقيقة – محمد ديب أحمد

 

في بلادٍ تعبت من الإجابات ، لم نعد نبحث عن الحقيقة … بل عن صوتٍ أعلى .
ليس لأن الحقيقة نادرة ، بل لأن قولها صار مكلفًا أكثر مما ينبغي .
وحين تصبح الكلفة أعلى من القدرة على الاحتمال ،
 يحدث الانزلاق الهادئ :
من البحث عن الفكرة … إلى البحث عمّن يصرخ بها أولًا .
وحين يخسر أحدهم معركة الحجة ، لا يعترف بذلك غالبًا ،
بل يعيد ترتيب المعركة نفسها .
فجأة ، لا يعود السؤال :
ماذا قيل ؟
بل : من قال ؟ ولماذا قال ؟ ومن أين جاء ؟
وهكذا يبدأ الانحدار نحو اللامعنى ،
حيث تُستبدل مناقشة الأفكار بتفكيك النوايا ،
ويُستدعى “تاريخ” الشخص بدل اختبار فكرته ،
وكأن الحقيقة يمكن هزيمتها … فقط بتغيير موضوع النقاش .
وفي زمن تُستهلك فيه الكلمات أكثر مما تُفهم ، لم يعد الاتهام توصيفًا ،
بل أداة جاهزة للاستخدام السريع .
وفي مشهد مأزوم يشبه كثيرًا مشهدنا ، لا تبدو المشكلة في غياب الآراء ،
بل في فائض الاتهامات .
الجميع يتكلم ، لكن القليل يصغي .
والكثير يملك “حقيقة مكتملة”، جاهزة للاستعمال ، ومحصّنة ضد النقاش .
ومن يعجز عن الإقناع ، يلجأ إلى التشويه ،
ومن يملك جمهورًا أكبر ، يبدو كأنه يملك الحقيقة .
لكن من الإنصاف القول :
لا أحد خارج هذه الدائرة تمامًا .
نحن جميعًا ، بدرجات مختلفة ، نميل إلى الطريق الأسهل :
أن نسقط خصمنا أخلاقيًا بدل أن نواجهه فكريًا .
لأن المواجهة الفكرية تتطلب جهدًا ووقتًا واحتمالًا لنتائج غير مريحة ،
أما الاتهام ، فيكفيه خيال نشط وجرأة قصيرة النفس .
وهكذا نصل إلى مشهد مألوف :
تُختصر القضايا بكلمات كبيرة ،
وتُختزل التعقيدات في ثنائيات مريحة :
مع أو ضد ،
وطني أو خائن ،
معنا أو علينا .
وفي هذا الاختزال تحديدًا ، تُمحى التفاصيل التي تصنع المعنى الحقيقي لأي قضية .
أما الاعتدال ، فقد أصبح يُقرأ أحيانًا كضعف ،
والتوازن كأنه تردد ،
والقول إن “الأمر أعقد من الأبيض والأسود”
بات يزعج من يفضّل وضوحًا سريعًا … ولو كان زائفًا .
لا أقدّم هنا منطقة آمنة بين الأطراف ،
ولا وصفة للتعايش المثالي ،
لكن ما أحاوله هو الإشارة إلى خلل في طريقة تفكيرنا :
كيف ننتقل بسرعة من الفكرة إلى صاحبها ،
ومن الرأي إلى الحكم على صاحبه .
النزاهة الفكرية ، في هذا السياق ، ليست ترفًا ، بل ضرورة :
أن نقرأ ما وراء الخطاب ،
لا أن نكتفي بردّة الفعل ،
وأن نعترف ، حتى لو كان ذلك مزعجًا ، بأن خصمنا قد يملك الحقيقة أوجزءًا منها .
ليس هذا دعوة للتساهل مع كل شيء ،
بل محاولة لتقليل الخسائر في المعنى ،
قبل أن تتحول الكلمات إلى أدوات صراع فارغة .
لأن الضجيج لا ينتصر لأنه أقوى …
 بل لأنه أسهل .
أما الحقيقة ،
فهي لا تُهزم بسهولة … لكنها تُهمل كثيرًا .
وربما لهذا السبب تحديدًا ، نفضّل أحيانًا أن ننجو من الحقيقة ،
بدل أن نواجهها كما هي .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *