اغتيال الحلم الكردي.. كيف جعلت واشنطن الكورد “كبش فداء” لترميم صورة أحمد الشرع؟من الإدارة الذاتية إلى “الاستشارة” في دمشق: قراءة في الصفقة الأمريكية-التركية التي تجرد الكورد من لغتهم وحقوقهم مقابل تبييض وجه الحاكم الجديد.
في خضم التحولات الجيوسياسية العاصفة التي تعيد تشكيل ملامح سوريا الجديدة، تتكشف تدريجياً فصول مأساة كوردية جديدة، ليست وليدة صدفة أو توازنات قوى محلية فحسب، بل هي نتيجة مباشرة لـ “هندسة أمريكية” باردة. فما يجري حالياً في أروقة المفاوضات بين القوى الكوردية بقيادة مظلوم عبدي وحكومة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، لا يعكس تراجعاً في المطالب الكوردية من الحكم الذاتي إلى حل الإدارات الذاتية وخضوعها الكامل لسلطة دمشق فحسب، بل يكشف عن “صفقة إقليمية” قاسية مُنيت فيها القضية الكوردية لتكون الضامن الوحيد لنجاح المشروع الأمريكي في سوريا.
الهدف الأمريكي: تبييض صفحة “الشرع” وتخليصه من التطرف
لفهم التنازلات الكارثية التي يقدمها الكورد، يجب ألا ننظر إلى دمشق أو أربيل، بل إلى واشنطن. الإدارة الأمريكية لا تتعامل مع التنازلات الكوردية كنهاية للمطالب الكوردية، بل كـ “أداة” لتحقيق هدف أخطر. واشنطن تريد إخلاء سجل أحمد الشرع وحكومته من التطرف الإسلامي الذي يحيط به، ودمجه في المجتمع الدولي كحليف “معتدل”.
ولكن، من هو القادر على توفير الغطاء العلماني والمعتدل للشرع؟ الخيار الدروزي مرفوض أمريكياً وإقليمياً لارتباطه الوثيق بإسرائيل، والخيار العلوي مستحيل بسبب الفوبيا التاريخية والعداء التأريخي بين العلويين والتيارات الإسلامية السنية المتشددة. الخيار الوحيد المتبقي في ورقة اللعب الأمريكية هم “الكورد”. وبما أن الكورد لا يملكون حلفاء تاريخيين في المنطقة، فقد فرضت واشنطن عليهم دور “الممتص للصدمات” و”الدرع العلماني” الذي يحمي الشرع من شياطينه، ويساعده على الاستغناء تدريجياً عن المطرفين الإسلاميين في دائرته المقربة.
المعضلة اللغوية: عندما تُسرق الهوية خوفاً من “التركيز” و”القطيع”
لم يتوقف الابتزاز الأمريكي-التركي عند الحل العسكري والإداري للإدارة الذاتية، بل امتد ليطال أبسط حقوق الهوية. فالطريف المبكي في هذه المفاوضات هو أن الكورد لم يُمنحوا حتى حق الدراسة الكاملة بلغتهم الأم، واُكتفي بالسماح بدراسة بعض المواد الاجتماعية غير العلمية.
لماذا هذا الحرمان؟ لأن واشنطن وأحمد الشرع يعيشان في رعب حقيقي من “التعصب القومي العربي” المتجذر في الشارع السوري، ومن “الفيتو” التركي الصارم. تركيا التي تقف بالمرصاد لأي خطوة كوردية، لن تسمح بظهور أي كيان كوردي متماسك لغوياً أو ثقافياً قد يمتد جذوره إلى كوردستان العراق أو تركيا. لذا، رأت واشنطن أن التضحية بالحقوق الثقافية للكورد هو “الثمن الرخيص” الذي يجب دفعه لإرضاء أنقرة، ولضمان عدم انفجار الشارع السوري القومي ضد حكومة الشرع.
مظلوم عبدي.. القائد المُجبر ومأساة المعارضة الكوردية
الضغوط الأمريكية لم تترك للقادة الكورد خياراً سوى الابتلاع المر. مظلوم عبدي، القائد العسكري الذي قاتل لسنوات من أجل كرامة شعبه، يُجبر اليوم تحت وطأة الضغط الأمريكي على القبول بدور “مستشار” في حكومة يقودها من كان يعتبره عدوه الوجودي. ولو تُرك مظلوم عبدي لحريته وضميره، لما قبل في يوم من الأيام أن يكون مجرد مستشار لأحمد الشرع، لكنه يدرك أن الخناق الأمريكي-التركي لا يترك له هامشاً للمناورة.
والأكثر مأساوية من ذلك، هو أن هذا الابتزاز لم يطبق على قوى “سوريا الديمقراطية” فحسب، بل طاول حتى المعارضة الكوردية (المجلس الوطني الكوردي وأحزاب أخرى) التي كانت تتهم مظلوم عبدي بالانفرادية. نرى اليوم هؤلاء المعارضين يتعاملون مع أحمد الشرع ويؤيدونه في الصغيرة والكبيرة، ليس اقتناعاً بهم، بل خوفاً من العقاب التركي والنبذ الأمريكي. لقد تم توحيد جميع الفصائل الكردية تحت مظلة “الاستسلام المُجبر” لسياسات واشنطن وأنقرة.
خاتمة: الكورد ككبش فداء للتاريخ
في النهاية، ما يجري في سوريا ليس “مصالحة وطنية” ولا “تسوية تاريخية”، بل هو عملية “تضحية طقسية” بالكورد على مذبح المصالح الأمريكية-التركية. الولايات المتحدة استخدمت الكورد كأداة لترويض أحمد الشرع وإخراجه من عباءة التطرف، ثم تخلت عنهم فوراً عندما تطلب الأمر إرضاء تركيا والقومية العربية.
الشعب الكوردي، بقيادته العسكرية والسياسية، لم يقبل بالانحلال في الحكومة السورية، بل تم “إجباره” عليه. لقد حُكم على الكورد في سوريا بأن يكونوا “كبش الفداء” الأبدي، يدفعون ثمن أخطاء الآخرين، ويضحون بحلمهم المشروع في الإدارة الذاتية، من أجل أن ينجح الآخرون في مشاريعهم الإقليمية

