نبض بغداد الجمالي: كيف تُعيد دار الأزياء صياغة تاريخنا؟- بقلم: صبيح الكعبي

حين نتحدث عن الهوية الوطنية العراقية، فإننا لا نتحدث عن مجرد جغرافيا عابرة، بل عن تراكم حضاري يمتد لآلاف السنين، كانت وما زالت الأزياء فيه شاهداً حياً على عمق التنوع الإنساني وسحره، ومن هذا المنطلق الجمالي، تأسست الدار العراقية للأزياء عام ألف وتسعمائة وسبعين لتكون الحارس الأمين على هذا الإرث الفني؛ إذ لم تكن الدار على مر عقودها مجرد متحف للملابس التاريخية، بل تجسدت منصة حية ومصنعاً للملاحم البصرية التي جابت العالم، راويةً قصة بلاد الرافدين من السومريين والبابليين والآشوريين، وصولاً إلى الفلكلور الشعبي المتنوع بتنوع أطياف الوطن.

وقد طافت عروض الدار عبر مسيرتها الطويلة كبرى عواصم العالم، حاملة رسائل السلام من خلال استعراضات فنية متكاملة تدمج الأزياء بالموسيقى والدراما؛ حيث انطلقت في السبعينيات والثمانينيات بعروض تاريخية مبهرة كعرض بغداد وعرض ألف ليلة وليلة لتبهر النخب الدولية بفخامة الإرث الرافديني، وعلى الرغم من سنوات الحصار العجاف في التسعينيات، استمر نبض العطاء العراقي بتحدٍّ بدا واضحاً في عروض ملحمية مثل عرض المرأة العراقية عبر العصور وعرض بابل، لتستعيد الدار ألقها بالكامل بمشاركات نوعية في مهرجانات بابل الدولية واحتفاليات بغداد عاصمة الثقافة العربية لعام ألفين وثلاثة عشر، جاعلة من التنوع الكردي والتركماني والآشوري والعربي نسيجاً وطنياً واحداً يسر الناظرين.

وفي المشهد الثقافي الحالي، تعيش الدار مرحلة متميزة من التطوير والتحديث تحت قيادة مديرها العام، السيدة نجوان فارس عبد الله، التي أدركت منذ تسنمها المسؤولية أن الحفاظ على التراث لا يعني الانغلاق في ماضيه، بل يكمن في بث الروح فيه ليتحدث بلغة العصر، وبفضل رؤيتها الإدارية والفنية الطموحة، شهد هذا الصرح نقلة نوعية تجلت في تنشيط المحترفات، وتوسيع آفاق التعاون الثقافي، فضلاً عن تنظيم عروض مبتكرة تجاوزت الغرف المغلقة إلى الفضاءات المفتوحة والمعالم الأثرية ليلتحم المنجز بالجمهور مباشرة، مما أعاد الألق إلى قاعات الدار وصيرها قبلة للمثقفين والمؤسسات البحثية والجامعية.

وامتداداً لهذا الحراك المتجدد وبتوجيه ورعاية مباشرة منها، احتضنت الدار بالتعاون مع مركز الدراسات والبحوث في وزارة الثقافة، ندوة نقاشية استثنائية حملت عنوان “تمثلات الأزياء العراقية في الرسم المعاصر”، مستضيفةً القامة التشكيلية البارزة الفنان حيدر فاخر، وبمشاركة نقدية معمقة من الناقدة التشكيلية أميرة ناجي، حيث تمحورت الجلسة حول تجربة الفنان في استلهام الزي التاريخي والفلكلوري وإعادة إنتاجه داخل اللوحة المعاصرة، موازيةً بين فلسفة اللوحة الكلاسيكية والمعاصرة، ومقدمةً مقاربة فنية ذكية تقارن بين عروض الأزياء الحية وتلك التي تُجسد على أسطح اللوحات الفنية، وكيف يمكن للريشة أن تمنح الزي أبعاداً فلسفية متجددة تواجه تحديات العولمة المتسارعة وأدوات الذكاء الاصطناعي.

إن الرسالة الإستراتيجية التي أرادت هذه الندوة إيصالها تتلخص في أن أصالة الزي العراقي قادرة على التكيف مع أدوات الحداثة دون خسارة جذورها، وأنها ليست مجرد فلكلور للمناسبات بل مادة إبداعية متجددة، ومن هنا، وحرصاً على استدامة هذا الحضور الميداني، فإننا نتقدم بمقترح وتوصية إلى إدارة الدار الطموحة؛ بأن يتم استغلال المحافل الكبرى المأهولة بالنخب والجمهور كمعرض بغداد الدولي للكتاب المقام حالياً، لإقامة “ليلة بغدادية” استعراضية كبرى تعرض فيها أزياء العراق على مر العصور في قلب هذا الحدث، لتكون كفيلة بإيصال رسالة بصرية واضحة للعالم بأن العراق حيّ وتاريخه مجيد، داعين إلى تثبيت هذه الرؤية كمنهج دائم في أي محفل بارز داخل القطر أو خارجه، ليكون بمثابة إعلان مستمر يثبت وجود الدار وتطورها الطاغي كواجهة حضارية مشرفة لبلاد الرافدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *