قال الله تعالى في محكم كتابه ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.
انطلاقًا من هذا التوجيه الرباني، تتوسَّد الدول المقتدرة مصائرها بعقولٍ لا ترتهن لردود الفعل، بل تستشرف الأحداث قبل أن تتبلور ملامحها؛ فكل قرار استراتيجي مصيري، اقتصاديًا كان أم سياسيًا أم دفاعيًا، يحتاج إلى رؤية استخبارية تقرأ الاحتمالات وتصنع البدائل قبل وقوع الخطر.
وفي التجربة العراقية المعاصرة، راكمت عقولنا الأمنية والاستخبارية خبرات ميدانية معقدة، وأثبتت قدرتها على الانتقال من الرصد والدفاع إلى المبادأة والاستباق. ومن هنا، ينبغي أن تكون المنظومة الاستخبارية شريكًا أساسيًا في صياغة قرارات الدولة المصيرية، وصمام أمانها السيادي؛ لأن المعلومة التي تصل بعد وقوع الحدث قد تفسّر الماضي، لكنها لا تصنع المستقبل.
وقد برز هذا الدور بوضوح في الحرب على الإرهاب، حين لم تقتصر الجهود على صد الهجمات، بل امتدت إلى عمليات استباقية ونوعية، أسهمت المعلومات الاستخبارية الدقيقة في تنفيذها، وصولًا إلى ملاحقة عناصر تنظيم داعش وتقديم عدد منهم إلى القضاء. وهذا الإرث المتراكم يمكن أن يكون حجر الأساس لبناء عقيدة استخبارية عراقية استشرافية تجعل من المعلومة قوة فاعلة، لا مادة تنتظر الحدث.
ولأن معارك المستقبل تُحسم بدرجة متزايدة في ساحات الفكر والمعلومات والفضاء السيبراني، فإن تطوير المنظومة الاستخبارية يستوجب خطة عمل متكاملة:
01 ـ تأسيس صرح أكاديمي استخباري وطني متخصص، يُعنى بإعداد محللين قادرين على قراءة الاتجاهات المستقبلية، ورفد القرار السياسي والاقتصادي والأمني بالرؤية العلمية.
02 ـ إطلاق برامج تدريبية متقدمة في الاستخبارات التنبؤية وتحليل السيناريوهات وإدارة الأزمات وإفشال مخططات الخصوم، بدل الاكتفاء برصدها بعد وقوعها.
03 ـ الاستفادة من الخبرات الأكاديمية الأجنبية ضمن برامج رسمية متخصصة، لنقل أحدث تقنيات الاستشراف والتحليل، مع الحفاظ الكامل على خصوصية الأمن القومي والسيادة الوطنية.
04 ـ بناء تعاون مؤسسي بين الأجهزة الاستخبارية والجامعات العراقية، وتحويل البحوث والدراسات، ولا سيما في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والعمليات المعلوماتية، إلى حلول تطبيقية تخدم الدولة.
إن تمازج خبرة الميدان العراقي بعلوم الاستشراف الأكاديمي يمنح الدولة قدرة حقيقية على هندسة مستقبلها بقرار وطني خالص؛ قرار لا ينتظر الغد، بل يقرأ ملامحه ويستعد لاحتمالاته.
فالاستخبارات التي تقرأ ما حدث تبقى أسيرة الماضي، أما التي تقرأ ما قد يحدث فتتحول إلى عقلٍ مبكر للدولة، يرفد قرارها في الحرب والسلم والاقتصاد والسياسة، داخل الوطن وخارجه.
وهنا تكمن قيمة المعلومة حين تتحول إلى رؤية، والرؤية حين تتحول إلى قرار؛ لأن حماية السيادة لا تبدأ عند ظهور الخطر، بل تبدأ من عقولٍ تراه قبل أن يولد

