الإسلام والتطرف الديني- بقلم:مصطفى باكو

 

كنت كلما سمعت، خلال الحوارات والنقاشات، من يقول إن شعوب الشرق، أو الشعوب الإسلامية عموماً، لا
تستطيع العيش إلا في ظل أنظمة ديكتاتورية، أشعر بغيظ شديد وأرفض هذه الفكرة رفضاً قاطعاً. كنت أتساءل
دائماً: ما الذي ينقصنا حتى نكون في مصاف الأمم المتقدمة؟ ألم تكن أوروبا في العصور الوسطى تعيش فترات
طويلة من الجهل والتخلف، في حين كانت بلادنا مراكز للعلم والمعرفة، وكانت دمشق وبغداد تستقطبان طلاب
العلم والدارسين من مختلف أنحاء العالم؟
لكن مع مرور الوقت، بدأُ أعيد النظر في قناعاتي، وأتساءل إن كان ما حققته الحضارة الإسلامية من تقدم علمي
لم يكن بالضرورة نتيجةً لوجود الحرية والديمقراطية، كما يعتقد البعض، فهذه المجتمعات لم تعرف الديمقراطية
بمفهومها الحديث، ولم تكن الحرية السياسية فيها مضمونة للجميع.
كما بدأت أتساءل عن الدور الذي أدته الشعوب غير العربية في بناء الحضارة الإسلامية، وعن إسهامات الكرد
وغيرهم من الأمم التي دخلت الإسلام وأسهمت في تطوير العلوم والفلسفة والطب والفلك وغيرها من المعارف.
ومن الخطأ أن ننسب كل ذلك إلى العرب وحدهم، أو أن نعتبره نتيجة مباشرة للدين نفسه، بدلاً من الاعتراف بأن
تفاعل شعوب وثقافات متعددة قد ساهمت في صناعة تلك الحضارة وخاصة في بداية انتمائهم لهذا الدين ولكن
عندما تأصل الإسلام في تلك الشعوب والامم وعدم مدها بدماء جديدة بدأوا هم أيضا بالتراجع كأخواتها من الدول
العربية نتيجة القبضة الحديدية لرجال الدين على المجتمعات الإسلامية وبعد سقوط الامبراطورية العثمانية
ووقوع الدول الاسلامي تحت سيطرة الدول الأوروبية مثل فرنسا وبريطانية وتراجع قبضة رجال الدين بدأت هذه
الشعوب تنتعش قليلاً وبرحيل الإستعمار بدأ رجال الدين يستعيدون نفوذهم رويداً رويداً ووصلت ذروتها مع
تصاعد الربيع العربي حيث ركبوا الموجة واغتالوا ثورات الربيع العربي وتصدروا المشهد وظهرت الفصائل
الإسلامية المتطرفة من جماعة الاخوان المسلمين والقاعدة وذلك بفضل المال الخليجي والدعم السياسي التركي.
ومع موجة الهجرة الجماعية للشباب المسلم الى أوروبا والعيش هناك وما شهدته من أحداث ومواقف، جعلني
أعود إلى التساؤل عن مدى استعداد مجتمعاتنا لتقبّل الحرية وقيمها. وقد زادت أحداث فرنسا من حيرتي، إذ رأيت
شباباً مسلماً ولدوا ونشؤوا في دول ديمقراطية، واستفادوا من مؤسساتها وحرياتها، ثم تصرف بعنف وتطرف
لامثيل لها، وكأنهم لم يتأثروا بالقيم التي تربوا في ظلها.
ولم يقتصر الأمر على العنف وحده، بل رأينا مظاهر من الفوضى والجريمة والسرقة والاحتيال والاعتداء على
الآخرين، وكأن بعض الناس لم يتركوا سلوكاً مداناً إلا مارسوه. وهنا يفرض نفسه سؤال صعب: لماذا لا تكفي
الديمقراطية وحدها لتغيير سلوك الإنسان، ولماذا لا تتحول الحرية دائماً إلى وعي ومسؤولية واحترام للآخر؟
المشكلة الحقيقية تكمن في تحول الأفكار المتوارثة إلى قيود على العقل، وذلك عندما يمنح رجال الدين سلطة
مطلقة على عقول الناس وحياتهم، ويقدم نقدهم أو مراجعة أقوالهم على أنه خروج عن الدين نفسه.
وخلاصة القول، إنني أرى أن جزءاً أساسياً من أزمتنا يكمن في الطريقة التي يفهم بها الدين ويوظف في
المجتمع والسياسة.

نحن بحاجة إلى مراجعة جادة وشجاعة للتفسيرات الدينية التي تتعارض مع تطور المجتمعات وحقوق الإنسان
وقيم العصر، وإلى التمييز بين جوهر الإيمان وبين اجتهادات بشرية لا يجوز أن تبقى فوق النقد والمساءلة.
لا يمكننا أن نبني مستقبلا أفضل ونحن ننجر باستمرار إلى صراعات الماضي، ونحاكم حاضرنا بعقلية تعود إلى
أربعة عشر قرناً، وبدل أن نلقي ذلك خلف ظهرنا ونسير الى الامام بل بالعكس نفكر وكأن التاريخ قد توقف عند
تلك المرحلة. فالمجتمعات تتغير، والمعرفة تتطور، وما كان مناسباً لظروف زمن معين ليس بالضرورة صالحاً
لكل زمان ومكان.
أما الدين، فليكن علاقة روحية وأخلاقية بين الإنسان وربه، يمارسها المرء في بيته ومسجده وحياته الخاصة، من
دون أن تتحول إلى أداة لفرض الوصاية على الآخرين أو التحكم في خياراتهم وحقوقهم.
وطالما تركنا المجال مفتوحاً أمام رجال دين يفتقرون إلى المعرفة والوعي، لينصبوا أنفسهم أوصياء على عقول
الناس وممثلين لإرادة الله على الأرض، فسيظل تقدمنا متعثراً، وستظل مجتمعاتنا أسيرة صراعات لا تنتهي.
إننا لا نحتاج إلى ديكتاتور يحكمنا بحجة أننا لا نصلح للحرية، ولا إلى رجال دين يتحكمون في عقولنا باسم
السماء، بل نحتاج إلى عقل حر، ودولة قانون، وتعليم حديث، ومجتمع يؤمن بأن الإنسان مسؤول عن حياته،
وأن كرامته وحريته وحقوقه ليست منحة من حاكم أو شيخ، بل حقوق أصيلة لا يجوز انتزاعها منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *