ليست المشكلة في أن تختلف القوى السياسية ؛ فالاختلاف طبيعي وصحي ، ودليل على تعدد الرؤى وتباين المصالح .
لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول «وحدة الصف» إلى شعار تتبارى الأطراف في ترديده ، بينما تتراجع فرص تطبيقه كلما اقترب النقاش من المصالح الفعلية والقرارات المصيرية .
هنا يكمن العبث السياسي :
الجميع يتحدث عن الوحدة ، لكن الحسابات الحزبية والمصالح الفئوية كثيراً ما تتقدم على المصلحة العامة ، بصرف النظر عن الثمن الذي قد يدفعه المجتمع بأكمله .
فهل أصبحت الوحدة مطلباً وطنياً حقيقياً ، أم مجرد شعار يصعب الاعتراض عليه علناً ، بينما تغيب الإرادة الفعلية لترجمته إلى واقع ؟
من الخطاب إلى امتحان المصالح
في السياسة ، يسهل الاتفاق على المبادئ العامة ما دامت بعيدة عن محك التنفيذ . ومن السهل إصدار بيان مشترك تتصدره شعارات «المصلحة الوطنية» ، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما تتطلب الوحدة التنازل عن الهيمنة الحزبية، أو قبول تمثيل أوسع، أو الإقرار بأن القرار الوطني لا يجوز أن يبقى رهينة لدى طرف واحد .
عند هذه العتبة تبرز الأسئلة الحاسمة: هل تملك القوى السياسية الشجاعة لقبول شراكة حقيقية ، أم تبقى أسيرة مصالحها التنظيمية ، حتى لو كان الثمن إضعاف المصلحة العامة وتعطيل فرص التقدم ؟
وللإنصاف ، ليس كل خلاف دليلاً على سوء النية ؛ فقد ينشأ عن تباين في تقدير المخاطر ، أو عن تراكم خيبات الأمل وانعدام الثقة . لكن فهم أسباب الخلاف لا يعني تبرير استمراره ، ولا يعفي أي طرف من مسؤوليته عندما يتحول الاختلاف إلى شلل سياسي لا يستفيد منه سوى الخصوم .
الحالة الكردية : تعددية أم تشتت سياسي ؟
في الحالة الكردية ، تكتسب هذه المفارقة خطورة مضاعفة؛ فالأمر لا يتعلق بتنافس حزبي على سلطة عابرة فحسب ، بل بحقوق قومية وتاريخية ومصير شعب يواجه تحديات داخلية وضغوطاً إقليمية متشابكة .
الكرد ليسوا كتلة سياسية واحدة ؛ فهناك أحزاب حاكمة ومعارضة ، ومستقلون ، ونخب فكرية ومجتمعية ، لكل منها رؤيتها وتقديراتها . والتعددية في أصلها مصدر غنى ، وليست عيباً ينبغي إخفاؤه ، لكنها تتحول إلى نقطة ضعف عندما تعجز الأطراف عن الاتفاق على الحد الأدنى من المصالح المشتركة .
إلى متى سيبقى تشتت المواقف سبباً في إضعاف القدرة الكردية على التفاوض ، ولا سيما في اللحظات التي تتقرر فيها قضايا الحقوق والتمثيل والمستقبل السياسي ؟
في روج آفا : لا تكفي الدعوات إلى التوافق ما لم تُترجم إلى حوار كردي ـ كردي جاد ، وشراكة سياسية وإدارية واضحة ، وآليات تضمن المشاركة في القرار . فاستمرار الخلافات من دون معالجة يضعف فرص بناء موقف تفاوضي جامع ، ويمنح الأطراف الأخرى مساحة أوسع للتأثير في مسار الحلول السياسية والدستورية .
في إقليم كردستان والعراق : تظهر أهمية الموقف الكردي المشترك في الملفات الاتحادية المصيرية ، ومنها الموازنة والنفط والغاز والعلاقة مع الحكومة الاتحادية . ولا يعني ذلك تطابق مواقف الأحزاب في كل التفاصيل ، بل إدارة خلافاتها بطريقة لا تبدد أوراق التفاوض ولا تضعف القدرة على حماية الحقوق الدستورية للإقليم .
إن وحدة الموقف لا تعني دمج الأحزاب في تنظيم واحد ، ولا فرض رؤية أيديولوجية مشتركة على الجميع . المطلوب إطار تفاوضي جامع يقوم على التمثيل العادل والشفافية والمساءلة ، ويمنع احتكار القرار من جهة ، واتخاذ التعددية ذريعة لتعطيل الاتفاق من جهة أخرى .
إشكالية تتجاوز الجغرافيا : التجربة الفلسطينية
هذه المشكلة ليست حكراً على الكرد ، بل تمثل أحد أوجه الأزمة السياسية في المنطقة . وتقدم التجربة الفلسطينية مثالاً مؤلماً على الفجوة بين اتفاقات المصالحة ومتطلبات تنفيذها ، وعلى الكلفة التي تدفعها القضية الوطنية عندما تتقدم الانقسامات والتنافسات السياسية على المصلحة المشتركة .
والسؤال ليس لماذا تختلف القوى السياسية ، بل لماذا تعجز ، رغم إدراكها للمخاطر ، عن بناء قواعد مستقرة لإدارة اختلافاتها ؟ وهل سيبقى العجز عن الاتفاق قدراً سياسياً محتوماً ، أم أن الوقت قد حان للانتقال من المصالحات المؤقتة إلى آليات واضحة تضمن استمرارية التفاهم وتحدد المسؤولية عن تعطيله ؟
من الشعار إلى القرار
الوحدة لا تصنعها المؤتمرات الصحفية ولا الابتسامات أمام عدسات الكاميرات ، بل تحتاج إلى خطوات عملية ، في مقدمتها :
1. الاتفاق على ثوابت وطنية واضحة : وفي مقدمتها الحقوق الدستورية والقضايا المصيرية ، بعيداً عن المزايدات الحزبية والتجاذبات المؤقتة .
2. بناء مؤسسات قرار حقيقية : تقوم على قواعد معلنة ، وتحترم حق الأغلبية وصوت الأقلية ، وتمنع احتكار التمثيل أو استخدام الاعتراض وسيلة دائمة لتعطيل التوافق .
3. ترسيخ الشفافية والمساءلة : بإشراك النخب والمجتمع في متابعة القرارات المصيرية ، وتوضيح أسباب الاتفاق أو التعثر ، وتحديد المسؤوليات بعيداً عن الغموض والمساومات المغلقة .
هذه الخطوات ليست وصفة سحرية لإنهاء الخلافات ، لكنها بداية ضرورية للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء موقف سياسي أكثر تماسكاً وقدرة على حماية المصالح المشتركة .
القضايا الكبرى لا تنتظر المترددين
إن التعامل مع «وحدة الصف» بوصفها موعظة أخلاقية ، لا التزاماً سياسياً قابلاً للمساءلة ، يغذي إحباط المواطن الذي بات يدرك أن التحديات الخارجية ليست وحدها مصدر الخطر ، وأن العجز الداخلي قد يبدد ما تحققه التضحيات والفرص السياسية .
والمسؤولية لا تقع على عاتق القوى السياسية وحدها ، بل تشمل النخب الفكرية والمجتمعية ، كما تشمل الرأي العام الذي ينبغي أن ينتقل من موقع المتفرج إلى موقع المراقب والمطالب بالمحاسبة بالوسائل السياسية والمدنية المشروعة .
فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والقضايا الكبرى لا تحتمل أن تبقى رهينة الحسابات الحزبية الضيقة . وبين بريق الشعارات وصلابة القرار تتحدد قيمة العمل السياسي ؛ لا بما تقوله الأطراف في خطبها وبياناتها ، بل بما تنجزه حين يتحول التوافق إلى التزام ، وتصبح الشراكة مسؤولية ، والحقوق ضمانات دستورية ومؤسساتية لا مجرد وعود .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

