رفع العقوبات … اختبار التحوّل أم إعادة تدوير السلطة ؟ – قلم : محمد ديب أحمد

يتزايد الحديث في الأروقة السياسية الأميركية عن إمكانية رفع جزئي أو تدريجي للعقوبات المفروضة على سوريا ، مشروطاً بتنفيذ التزامات محددة خلال مهلة ستة أشهر ، وفق ما أقرّه الكونغرس الأميركي لا وفق ما تريده السلطة القائمة أو المؤقتة .
هذا التطور إن حدث ، لا ينبغي قراءته بوصفه انفراجاً سياسياً ، بقدر ما هو اختبار سياسي وقانوني لمدى قابلية البنية الحاكمة المؤقتة والدائمة  للانتقال من إدارة الأزمة إلى منطق الدولة .
فالعقوبات منذ لحظة فرضها ، لم تكن أداة مثالية .
عملياً أصابت المجتمع السوري أكثر مما أصابت مراكز القوة ، ودفعت الاقتصاد نحو مزيد من التشظي ، حيث ازدهرت شبكات الاقتصاد غير المشروع ، وتآكلت الطبقة الوسطى وتحول العيش الكريم إلى امتياز نادر .
غير أن هذه الحقيقة مهما كانت قاسية لا تُسقط السؤال الأهم :
هل تكمن المشكلة في العقوبات ذاتها أم في العقل السياسي الذي تعامل معها كقدرٍ محتوم لا كحافزٍ للتغيير ؟
في هذا السياق ، يصبح من الضروري التمييز بين المساحات السورية المختلفة ، لأن الخلط بينها لا يخدم التحليل بل يضلّله .
شمال غرب سوريا :
حيث يُفترض شكلياً أن المنطقة تأتمر بقرارات دمشق وسلطتها المؤقتة ، يكشف الواقع عن بنية حكم أمر واقع مكتملة الأدوات تعمل ضمن هامش سياسي وأمني ترسمه الدولة التركية بشكل مباشر .
والفصائل التي أُعلن عن اندماجها في وزارة الدفاع السورية لا تمتلك قرارها السيادي بل تعمل ضمن منظومة تنسيق وثيق مع الجيش والمخابرات التركيين ، ما يجعل الحديث عن نموذج حكم مستقل أو قابل للتطور الذاتي سابقاً لأوانه .
المشكلة هنا لا تكمن في التداخل الخارجي بحد ذاته ، فكل النزاعات المعاصرة تعرف أشكالاً من التشابك الإقليمي ، بل في غياب أي مسار واضح لتحويل السيطرة العسكرية إلى مشروع سياسي قابل للمساءلة والمأسسة .
شمال شرق سوريا :
حيث الإدارة الذاتية و تجربة مختلفة وسؤال مؤجَّل
على النقيض من ذلك ، يقدّم شمال شرق سوريا نموذجاً مغايراً ، سواء اتفق المرء معه أم اختلف .
قوات سوريا الديمقراطية ومجلسها السياسي يمثلان تجربة تقوم  نظرياً وعملياً  على إشراك مكونات قومية ودينية متعددة ضمن صيغة حكم لامركزي ، تحاول بحدود الممكن إنتاج عقد اجتماعي جديد .
ورغم تماسك هذه التجربة نسبياً ، فإنها ما تزال معلّقة بين الاعتراف والإنكار ؛
فهي شريك محلي فاعل في محاربة الإرهاب ، لكنها وللحقيقة ملف مؤجَّل في الحسابات الدولية .
وهنا يظهر الخلل البنيوي بوضوح :
الدولة التي لا تعترف بتعدديتها ، تحوّل التنوع من مصدر قوة إلى ملف أمني .
السلطة المؤقتة :
 انفتاح بلا شرعية
بعيداً عن البروبوغندا الإعلامية ، يدرك كل من يقرأ أبجديات السياسة أن هذه السلطة ما تزال تفتقر إلى الشرعية القانونية .
فرغم الانفتاح الدبلوماسي النسبي الذي حظيت به ، لا توجد دولة واحدة اعترفت بها رسمياً ولا سفارة سورية واحدة انتقلت إدارتها إلى ممثلين عنها .
وجميع السفراء السوريين في الخارج ما يزالون يحملون الصفة القانونية للنظام السابق ، وهو تفصيل قانوني بالغ الدلالة لا يمكن القفز فوقه .
الانفتاح الدولي ، في هذه الحالة لا يعني شرعنة ، بل تعليق الحكم بانتظار السلوك .
وشروط الكونغرس الأميركي واضحة :
ستة أشهر لإثبات الجدية في ملفات الحكم والحقوق ،
وإدارة التنوع لا الاكتفاء بتغيير الوجوه .
الشرعية : من الداخل أولاً
الشرعية في جوهرها ليست قراراً دولياً ولا منحة دبلوماسية .
هي قبل كل شيء نتاج عقد داخلي بين السلطة والمجتمع ، يُبنى على القبول الطوعي ، والمشاركة السياسية ،
والتمثيل والمساءلة .
وأي سلطة لا تستمد شرعيتها من شعبها ستبقى معلّقة مهما حظيت بانفتاح خارجي ، لأن الاعتراف الدولي لا يصنع دولة ، بل يعترف فقط بدولة موجودة فعلاً في الداخل .
الخُلاصة :
من منظور تحليلي فإن رفع العقوبات  إن تم لن يكون مكافأة سياسية ، بل أداة اختبار :
اختبار لقدرة السلطات القائمة على الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الإدارة ،
ومن الشرعية الواقعية إلى الشرعية القانونية .
الكرد !!!
ومعهم قطاعات واسعة من السوريين لا يخوضون معركة هوية ، بل معركة نموذج .
وهم يدركون أن السلطة الأحادية التي وُلدت من رحم فكر إسلامي راديكالي لا تفشل لأنها قمعية فحسب ، بل لأنها عاجزة بنيوياً عن إنتاج دولة مدنية ديمقراطية حديثة .
قد تُرفع العقوبات ،
لكن سوريا لن تُرفع من أزمتها ما لم يُعاد تعريف معنى الدولة ،
ومعنى الشراكة ،
ومعنى السلطة ذاتها .
والشعوب التي دفعت هذا القدر من الكلفة ،
لم تعد تقبل بحارس او ناطورٍ جديد للكرم ،
بل تطالب أخيراً … بعنب الدولة .
قلم : محمد ديب أحمد