أزمة روجافا الراهنة: الصدمة والتداعيات النفسية المستقبلية- تألیف: د. درویش شرو- ترجمة بتصرف: د. عبدالباقي مایی

 

 

لا يمكن فهم الأزمة الحالية في روژئافا (كردستان سوريا) دون إدراك الصدمات التاريخية العميقة التي شكّلت علم النفس السياسي الكردي.

فعلى مدى أكثر من قرن، عاش المجتمع الكردي دورات متكررة من الانتفاض والقمع والمجازر والتعافي الجزئي — وهي أنماط ما تزال تؤثر في واقع شمال سوريا اليوم.

كان سحق ثورة الشيخ سعيد فی دیاربكر “ئامه‌د” فی كوردستان تركيا عام ١٩٢٥، والمجزرة التي رافقت ثورة ديرسیم بعد ذلك فی عام ١٩٣٨، كلاهما فی شمال كوردستان الواقعة تحت حكم تركيا بعد إنهيار الدولة العثمانية فی الحرب العالمية الأولی وتأسيس الدولة التركية علی نقض وعودها مع دول الحلفاء فی معاهدة سیفر فی سنة ١٩٢٠ وتبدیلها بمعاهدة لوزان فی سنة ١٩٢٣  التی غدرت بالكورد فلم تسمح لهم بتكوين دولتهم. رسّخ إنهيار الثورتین و غدر المعاهدتين في الذاكرة الجمعية الكوردستانیة فكرة أن المقاومة تُعاقَب جماعيًا. كما أن ثورات كوردستان العراق، مثل ثورات  الشيخ محمود الحفيد بين عامي ١٩١٩ و ١٩٣٢، وثورات مصطفى البارزاني بين عامي ١٩٤٥ و ١٩٧٤ — التي استمر بها ابنه وأحفاده بعد وفاته سنة ١٩٧٩ — وسقوط جمهورية مهاباد عام ١٩٤٦، أسست سردية متكررة قوامها حكم ذاتي قصير يتبعه تخلي وقمع. وفي الوقت نفسه، أظهر الهجوم الكيميائي على حلبجة وحملة الأنفال في كردستان العراق عام ١٩٨٨ أن الإبادة لم تكن مجرد احتمال، بل واقعًا نُفِّذ بعواقب مدمرة. وفي وقت أقرب، أعادت مجزرة سنجار في كردستان العراق عام ٢٠١٤ وحصار كوباني عام ٢٠١٥ إحياء المخاوف الوجودية، مع كونهما شكّلتا أيضًا نقطة تحوّل في التمكين العسكري والسياسي الكردي.

لقد أفرزت هذه الصدمات المتراكمة آليات بقاء مميزة؛ إذ أصبحت المقاومة بمثابة علاج جماعي يحوّل الخوف إلى قدرة على الفعل. كما أن تأسيس هياكل الإدارة الذاتية في روجافا بعد عام ٢٠١٢ مثّل شكلًا من أشكال التعويض السياسي — محاولة لإصلاح الإنكار التاريخي عبر الحكم المحلي، ومبادرات المساواة بين الجنسين، والدفاع المجتمعي.

لكن حالة عدم الاستقرار الحالية في شمال سوريا تعيد تنشيط القلق والمخاوف القديمة. فالتهديدات العسكرية الخارجية، والتحالفات الهشّة، وعدم اليقين الجيوسياسي، تستحضر ذاكرة مهاباد — أملٌ يظلّ مهددًا بالخيانة المحتملة. إن تكرار الصدمة يولّد يقظة مفرطة وانعدامًا للثقة، لكنه يولّد أيضًا تعبئة سريعة وانتفاضات وتماسكًا داخليًا قويًا.

تقف روجافا اليوم بين التكرار والتكيّف. فإذا ظلّت الصدمة هي المبدأ المنظّم الأساسي، فقد تستمر دورة الانتفاض والقمع. أمّا إذا جرى ترسيخ القدرة على الصمود عبر حوكمة مستقرة، ودبلوماسية متنوّعة، وتنمية اجتماعية تراعي الصدمات النفسية، فقد تتمكّن كردستان سوريا من تحويل المعاناة التاريخية إلى نضج سياسي واستقرار طويل الأمد.

إنّ المستقبل النفسي-السياسي لروجافا سيتحدّد بما إذا كانت ستبقى معرَّفة بمنطق البقاء — أم ستنجح في بناء الاستقرار خارج إطار الأزمات.

١٦\٢\٢٠٢٦