عندما تتحول السياسة إلى صيدلية… والإعلام إلى جرعات تخدير
في الطب هناك قاعدة بسيطة :
العلاج يواجه المرض ، أما المسكّن فيواجه الألم فقط .
العلاج مؤلم أحياناً ، لأنه يبدأ بالاعتراف بالحقيقة :
تشخيص واضح ، مواجهة للخلل ، وربما جراحة لإزالة الورم قبل أن ينتشر .
أما المسكّن فقصته مختلفة تماماً ،
يهدّئ الألم مؤقتاً … ويترك المرض يعمل بهدوء في الداخل .
هذه القاعدة الطبية البسيطة تفسّر كثيراً من الظواهر في حياتنا السياسية ، وخصوصاً في التجارب الناشئة مثل تجربتنا في روج آفا ؛
وكما نعلم أن التجارب السياسية الفتية تحتاج قبل كل شيء إلى تشخيص صريح ، لكن ما يحدث أحياناً هو العكس !
بدلاً من نقاش الأخطاء ، يتم توزيع جرعات من العبارات الكبيرة …
وبدل معالجة الخلل الإداري أو المحسوبيات ، تعود الأسطوانة القديمة :
القائد الملهم …
الحزب الذي لا يخطئ …
والإنجازات التي تصيب دائماً منتصف الهدف
وكأن السياسة تحولت إلى ميدان رماية مثالي :
كل الأسهم تصيب المركز ،
ولا سهم واحد يخطئ الطريق .
المشكلة أن العالم لم يعد يعيش في زمن الإعلام المغلق ،
اليوم أصبح العالم قرية صغيرة ، إذا عطس شخص في الغرب ، سُمعت سعاله في الشرق …
فكيف يمكن لإعلام يعيش في هذا العصر أن يستمر بلغة تشبه نشرات الأخبار لزمن مضى بالأبيض والأسود ؟
لغة تمجيد الأشخاص أكثر من بناء المؤسسات ، والقاء الضوء على الجزئيات لإغلاق الباب امام الاساسيات !
الوطن ليس قصيدة مدح ،
ولا نشرة أخبار تبدأ باسم شخص وتنتهي بصورته … ؛
الأوطان ، كما يقول التاريخ ، أكبر من الأشخاص مهما كان وزنهم ،
الأشخاص يأتون ويذهبون وتبقى افعالهم واعمالهم تتحدث عنهم ،
أما الوطن فيبقى مابقي الدهر …
وجوهر حديثنا ان المشكلة ليست في وجود الأخطاء ،
فلا تجربة سياسية في التاريخ بلا أخطاء ،
المشكلة تبدأ عندما يتحول الخطأ إلى منطقة محرّمة ،
ويتحول النقد إلى شبهة ،
ويصبح التصفيق معيار الولاء …
هنا يظهر الفرق بين العلاج والمسكّن ؛
العلاج يقول ببساطة :
هناك خلل … فلنصلحه
أما المسكّن فيكتم على المرض وعيوبه بتخديره …
ومع مرور الوقت يتحول الإعلام وتتحول الصحافة من سلطة رقابة إلى قسم علاقات عامة ،
لكن أخطر ما في المسكّن السياسي أنه يخلق وهماً بالشفاء …
يظن الجميع أن الأمور بخير ، بينما تتراكم المشكلات بصمت …
التاريخ مليء بتجارب لم تسقط بسبب أعدائها ،
بل بسبب الإفراط في التصفيق داخلها !!!
فالتصفيق قد ينجح في إسكات النقد …
لكنه لا يعالج الخلل .
وهنا من الضروري توضيح أمر مهم :
لسنا هنا بصدد الهجوم على أشخاص أو فتح معارك شخصية .
فالأشخاص ، مهما كانت مواقعهم ، يأتون ويذهبون كما تقول سنّة السياسة والتاريخ .
ما نحاول قوله أبسط من ذلك بكثير :
التجارب السياسية التي تريد البقاء تحتاج إلى ثقافة علاج لا ثقافة مسكّن .
النقد الصريح ليس خصومة .
الشفافية ليست تشهيراً .
ومصارحة التجربة بأخطائها ليست طعناً فيها ، بل محاولة لإنقاذها قبل أن تتراكم الأخطاء .
التجارب القوية لا تخاف من المراجعة ، بل تخاف من الصمت الطويل الذي يحيط بها كجدار من التصفيق …
ولهذا ، عندما نتحدث عن الخلل الإداري أو قصور الإعلام أو المبالغة في لغة التمجيد ،
فنحن لا نبحث عن خصوم …
بل نبحث عن مساحة أوسع للحقيقة
والأوطان لا تُبنى بالمديح وحده ،
ولا تحميها الشعارات الكبيرة .
ما يحميها شيء واحد فقط :
القدرة الدائمة على تصحيح الخطأ قبل أن يتحول إلى أزمة .
وفي النهاية يبقى السؤال بسيطاً :
هل نريد تجربة سياسية تعالج أخطاءها بجرأة …
أم تجربة تعيش طويلاً على المسكّنات الخطابية ؟
التاريخ لا يتذكر أفضل الخطباء …
بل يتذكر أولئك الذين امتلكوا الشجاعة الكافية لاختيار
العلاج بدل المسكّن .

